المبادئ الأساسيّة التي لم يحد عنها جوزف سماحة في تجواله الفكري والمهني، راهنة أكثر من أي وقت. فهمه لجوهر الصراع، بوصلة لكثيرين، وعدسة لقراءة المواجهات المقبلة. المرحلة العربيّة تطالب برؤيويّته، وتستدعي قدرته على التأليف بين روافد ومراجع واعتبارات متضاربة ظاهريّاً، متكاملة إذا أصخنا السمع إلى حركة الواقع. نفتقد اليوم بشدّة نظرته التحليليّة، ومقدرته على الاستشراف. ونحاول أن نستلهم ذلك الموقف الهادئ، القائم على وعي طبقيّ، وحسّ نقدي، وانفتاح ثقافي، والمستند إلى مخزون معرفي، وسعة اطلاع، ومراقبة دقيقة للحدث، وانشغال بآخر طروحات المرحلة ونقاشاتها.


كلا ليس زعيماً ولا شيخ طريقة، بل صحافي عربي، تقدّمي وكوسموبوليتي، أحبّ الحياة، وراهن على الحداثة، وجمع بين الصحوة القوميّة والانتماء الأممي، بين النهج المطلبي التغييري وخيار المقاومة. على الفايسبوك، استعاد أحد أصدقاء الجريدة من كتاباته هذه الكلمات: «التناقض بين الأمة العربية واسرائيل هو تناقض غير قابل للحسم إلا بانتصار أحد الطرفين. سيمتد الصراع وتتغير أشكاله وتتحول وتتكيف. يمكن لهدنات أن تحصل، ولوقف إطلاق نار أن ينفذ ولـ«سلام» أن يعيش بعض الوقت. لكن هذه محطات لا تغير من الأمر شيئاً. لا مجال للتعايش بين تصورين للمنطقة».
خمس سنوات مرّت على اغفاءته الأخيرة في لندن، وكل المواعيد المفتوحة التي تركها خلفه، وأوّلها «الأخبار» التي تشقّ طريقها اليوم في اللجّة الهائجة بثقة وشجاعة. خمس سنوات، ونحن نطرح السؤال نفسه: ماذا كان ليكتب أو يفكّر في هذه اللحظة؟ وفي قلب الدوامة التي تلفّ المنطقة الآن، يعود السؤال، فيخالجنا شعور بأن جوزف اختار بعناية «توقيت» انسحابه.