تونس | يقول الروائي كازانتزاكي على لسان بطل روايته «زوربا»: «يبدو لي، هكذا أنني أفهم شيئاً ما. لكن لو حاولت أن أقوله لهدمت كل شيء. وذات يوم عندما أكون مستعداً، سأرقصه لك». هو ذا الرقص عند زوربا اليوناني، وهو كذلك عند الأفارقة القدامى. طقس من طقوس مواجهة الموت وتحدّيه... هذا ما حدث في الدورة الأخيرة من «أيام الرقص المعاصر» في فضاء «مدار قرطاج» حيث اتحدت الأجساد فوق الركح وجهاً لوجه أمام الموت الرمزي، والظلامية الجديدة القديمة المستميتة في تعسفها على الطبيعة الحداثية والمعاصرة لتونس.


لم يتخل «مدار قرطاج» الذي يديره المسرحيان رجاء بن عمار والمنصف الصايم (أسّسا «مسرح فو» عام 1980) عن أسلحته المعتادة في مقاومة المعسكرات العقائدية الجديدة القديمة التي خرجت من قمقمها بعد ثورة الشعب التونسي، وباتت تحرث الأرض، وتستجدي السماء لتنخر جسداً تشكّل من كل أنواع الفنون... هو الجسد التونسي في تنوّعه وتحرره. لم تكن أسلحة «مدار قرطاج» سوى تلك العروض الراقصة والمنفلتة، تلك الأجساد التي حملت «الفنان المواطن» بفائض من التحرر والحرية بحثاً عن وطن يليق بمن قال «لا» للعبودية، إذ إنّ هذه الدورة التي شارك فيها حوالي 13 عرضاً، حملت شعاراً ما قاله الأديب والفقيه والمنظر الصوفي جلال الدين الرومي «ملك الفكر الصافي مضى راقصاً صوب الوطن الآخر وطن النور».
تخُتتم عروض «أيام الرقص المعاصر» غداً في «مدار قرطاج» مع أحدث إنتاج لـ«مركز الفنون الدرامية والركحية» في مدنين. إنّه عرض «ترى ما رأيت» للمخرج أنور الشعافي الذي يعدّ من رواد المسرح التجريبي في تونس. يؤدي العمل كل من نجيب بن خلف الله، وجلال عبيد، ومكرم المانسي، وجهاد الفورتي، ونورشان شعبان عن توليفة من أشعار كمال بوعجيلة جُمعت ضمن بنية حكائية تصوّر محنة شاعر يُجبره الاستبداد على أن يركب القارب للانتقال إلى الضفة الأخرى. لكنّ القارب سيتحطّم وسيجد الشاعر نفسه في المستشفى ليكتشف هناك أن الزمن قد تغيّر. في هذا العمل الذي كان له حضور مميز في الدورة الأخيرة «أيام قرطاج المسرحية»، يستند المسرحي إلى عناصر كثيرة ليشكّل عمارته عبر توظيف الرقص طبعاً، والفيديو وفن الإيماء.
الثنائي المنصف الصايم ورجاء بن عمار اللذان أغنيا الخشبة التونسية بالعديد من الأعمال مثل «بياع الهوى» و«ساكن في حي السيدة»، و«هوى وطني»، و«وراء السكة»، و«القرد» أهديا كل عروض الدورة الجديدة للمهرجان لكل الأجساد المقصية والمنسية والمسجونة، خصوصاً تلك الأجساد التي انتفضت فجأة من نومها الوجودي!