«شايف بالحارة أطافيل، نازلين رفس بهالفيل. والخنازير طايرة، والعصافير صايرة: على سُفَر الفلاحين». هل يمكن أخذ هذه الكلمات على محمل الجد؟ وهل يمكن الائتمان إلى فرقة تسمّي نفسها «طنجرة ضغط» وتسعى إلى إيصال «خفّة الحريّة التي لا تحتمل» كما يقول أعضاؤها الذين يقدّمون عرضاً اليوم في «وليمة وردة»؟ في 2008، بدأ مؤسس الفرقة الموسيقي خالد عمران مغامرة غير محسوبة في دمشق تمثّلت في «طنجرة ضغط». عندئذٍ، كانت دمشق عاصمة موجة الموسيقى البديلة التي برز فيها عمران كإحدى أيقوناتها، محاولاً التفلّت من «ضغط» استرجاع الفولكلور كعنوان مرحلي مثقّف ونخبوي.


لكن قبل ذلك، كان عمران قد التقى المغنية لينا شاماميان والموسيقيّ باسل رجّوب، فبدأوا ظاهرة استعادة الفولكلور التي حاول عمران التمرّد عليها من دون جدوى إلى أن جاءت «طنجرة ضغط». إضافة إلى عمران (صوت وباص غيتار)، تجمع الفرقة طارق خلقي (صوت وغيتار)، داني شكري (درامز)، ناريك عبجيان (كيبورد) الذين حملوا مشروعهم الذي عرّفوه بأنّه يعمل على تنفيس «الضغوط العالميّة الإنسانيّة، وبخاصة العربيّة».
لدى التقائهم في بيروت، حيث يقيمون حالياً، انتبهت إليهم مديرة البرامج في «إيقاع» كندة حسن، لتبدأ الفرقة مرحلة جديدة من التعاون مع المؤسسة لإقامة الأمسيات الموسيقيّة وإنتاج أول أسطوانة تعمل عليها الفرقة حالياً.
انفتاح «طنجرة ضغط» على التجريب يأتي عبر مستويات متعددة. يمكن النظر إلى تجربة الفرقة كواحدة من التجارب التي تهدم أصنام الآباء الموسيقيين، وتعمد إلى «تتفيه» جدّيّة كلام الأغنيات الشعريّ، وتفسّر إلهامها بأنّه خلطة موسيقيّة عالميّة عبثيّة. نرى ذلك على مستويات عدة. على المستوى الأول، هناك طفوليّة في كلام الأغنيات يمكن وصفها بالكرتونيّة وتشبه تلك التي استمعنا إليها في فترة مسلسلات الأطفال الذهبيّة. في أغنية «سفر الفلاحين»، نستمع إلى عمران وهو يغني: «شباب الحارة خالعين إيد، جاي الستايشن من بعيد. والخنافس بتموت بدبايبها، والقنافذ معلقة بدواليبها، حلوا عني بقا». قد يبدو الكلام مستوحى من عبث كلمات فرقة The Doors، لكنه أيضاً فرصة للتحرّر من المباشرة في الوصف.
هنا نصل إلى المستوى الثاني، وهو التأثيرات السياسيّة. لا يدّعي أعضاء الفرقة أنهم يغنون عن ظروف سياسيّة محددة، إلا أنهم متأثرون بهذه الظروف، وخصوصاً في وقت تسير فيه الأغنيات المرتبطة بالثورة السوريّة على خط تلك الفلسطينيّة التي توقّفت عند الصورة التقليديّة للقضيّة بمثاليّتها وتصنيم الرموز السياسيّة والثوريّة. وتأتي الموسيقى بوصفها المستوى الثالث. طارق خلقي آت من خلفيّة متمرّدة بعدما انخرط في عدد من الفرق المرتجلة، آخرها فرقة Unrated لموسيقى الروك الـ progressive . وذاب داني شكري وناريك عبجيان في فرق ذات خلفيات متنوعة أيضاً. هذا ما أدى إلى خلطة موسيقيّة متطرّفة في التجريب: من الـ progressive إلى الساكاديليك، والروك، والإلكترونيك، والفولك والبانك مع تأثيرات بسيطة من الموسيقى الشرقيّة.
روّاد «وليمة وردة» إذاً على موعد مع هذه التجربة التي تخرّب المزاج الموسيقيّ المطمئن بالسعي نحو تلك المنطقة التي يوشك فيها كل شيء حولنا على الانفجار. ما ينقصه فقط تلك «التنفيسة» التي تمنعه من ذلك كما في كلمات أغنية «تحت الضغط»: «صغير وما بيستاهل ترموني بالقنابل، في خبر يبدو عاجلاً، عن حالي ماني سائل. إني إلعب ممنوع، قدري إني قاتل».

9:30 ليل اليوم ـــ «وليمة وردة» (الحمراء ــ بيروت) ــ للاستعلام: 01/752320




مغامرات «إيقاع»

يبدو توجّه «إيقاع» حاسماً في اصطياد التجارب المغايرة. عبر أذرعتها المختلفة، تضمّ المؤسسة التي يديرها الموسيقيّ تامر أبو غزالة، شبكة واسعة من المتحمّسين للتجارب الجديدة والتعاون في مجالات عدة. وهذا ما يذكّر بالحراك الموسيقيّ التجريبيّ الذي برز في الستينيّات والسبعينيّات في أوروبا وأميركا. أقرب هذه التجارب إلى الذهن هي تعاون فرقة Velvet Underground والفنان آندي وورهول الذي أفضى إلى واحدة من أهم أسطوانات موسيقى الروك التجريبيّة Velvet Underground & Nico (1967).