في كتابه الجديد «إطلاق طاقات الحياة ــــ قراءات في علم النفس الإيجابي» (دار التنوير)، يستكمل الباحث اللبناني مصطفى حجازي ثلاثيته البحثية التي تسعى إلى تفكيك آليات القهر والهدر والتسلّط المتحكّمة في واقع الإنسان العربي. في كتابيه السابقين «التخلف الاجتماعي ــــ مدخل الى سيكولوجية الإنسان المقهور»، و«الإنسان المهدور ـــ دراسة تحليلية نفسية اجتماعية»، ركّز الأكاديمي المتخصص في العلوم النفسيّة على تشتت قدرات الفرد العربي، وطاقاته الإنسانية. فنّد حجازي العوائق والصعوبات التي تضعها الأنظمة المستبدّة في وجه شعوبها، وكيف تجبرها على العيش في مناخات نفسيّة واجتماعيّة وثقافيّة، تنعدم فيها قيم الحريّة والعدالة والمساواة. عُدَّت الأطروحتان لحظة صدورهما، مدخلاً مهمّاً إلى فهم أدوات الدكتاتور ــــ ولا سيما النفسية منها ـــ في السيطرة على مواطنيه وإخضاعهم لإرادته.


في كتابه الثالث، يحاول صاحب «حصار الثقافة» تقديم إجابات منهجيّة عن إشكاليات نفسية واجتماعية معقدّة، ترتبط بالمجتمعات العربية، كان قد طرحها في كتابيه السابقين. يفعل ذلك من خلال دراسات وأبحاث تتناول علم النفس الإيجابي، الذي يعدّ فرعاً حديثاً نسبياً من فروع علم النفس. ويركّز هذا العلم على اكتشاف الإيجابيات وأوجه الاقتدار، إلى جانب تنمية الإمكانات لدى الفرد والجماعة والمجتمع، عوضاً عن تسليط الاهتمام على أوجه المرض والاضطراب والقصور. مقابل أوجه الاضطراب لدى الإنسان، هناك أوجه صحة. وفي مقابل القصور، هناك إمكانات وقدرات. وفي مقابل التشاؤم واليأس، هناك التفاؤل والأمل القادر على صناعة المصير.
ويُرجع حجازي الجذور التاريخية لعلم النفس الإيجابي إلى التيار الإنساني، الذي يشدد على ضرورة تفتُّح الإمكانات، وأهميّة العطاء عند كلّ فرد. وقد برز هذا التيار في القرن العشرين، وكان من أبرز رواده عالما النفس الأميركيان أبراهام ماسلو (1908 ــ 1970) القائل بقوى تحقيق الذات، وكارل روجرز (1902 ـــ 1987) القائل بدوافع النموّ، والقدرة على الاختيار، وتحمّل مسؤولية الوجود. ومن الناحية الفلسفية، تعود أصول علم النفس الإيجابي إلى فلسفة أرسطو في الحياة الطيبة، وتأكيده على الخصائص الإيجابية للسعادة.
الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية يتصدّى في الفصل الثاني من كتابه لمفهوم «العجز المتعلَّم»، إذ يتعلّم الناس في مجتمعاتنا وسط مناخ من السلبية، والمزاج المكتئب، ومشاعر انعدام القيمة، وفقدان تقدير الذات، ما يؤدّي إلى بروز ردود فعل عدوانيّة، ومشاكل إنتاجيّة في الدراسة والحياة، أو مواقف هروبيّة وتجنبيّة. يتجاوز هذا الشعور بالعجز الأفراد، ليتفشّى في المجتمعات، مشيعاً مظاهر فقدان السيطرة والاستسلام. يتماشى هذا ــ وفقاً للكاتب ــ مع أسلوب التفسير الذي يرجع كلّ العثرات التي قد يقع فيها الفرد في السلوك أو الممارسة اليوميّة إلى عجز ذاتي. ولمواجهة هذه المشاعر، يتعيّن على الذات المُدمَّرة الغوص في عملية استقصاء كياني للإمكانات ونقاط القوة الكافية للمجابهة، وصولاً إلى امتلاك حريّة ذاتية جوّانية ترفض المرجعية الخارجية القامعة ليعيش الفرد إرادة حياته، ويتحمّل مسؤولية صناعتها.
يعرّج صاحب «علم النفس والعولمة» على أسلوب التفكير الإيجابي، شارحاً أنّه يركّز على الصور والكلمات المؤديّة إلى النمو والنجاح. ويقترح عبر الوعي واليقظة الذهنية أن نضع تعاريف واضحة لمشاكلنا، كي نتمكن من تحديد الحلول، ونحوّل هذه المشكلات إلى فرص.
وقبل أن يفسّر حجازي آلية عمل الدوافع الإنسانية، ومعنى ثقافة الإنجاز، يدعونا إلى التدرّب على التفاؤل. يعتمد في دعوته هذه على نظريات عالم النفس الأميركي مارتن سليغمان (1942) الذي طوّر أدوات لقياس التفاؤل والتشاؤم، ووضع برامج تدريبية لتعديل التفكير التشاؤمي إلى تفكير تفاؤلي، وتطوير الدافعية الذاتية. وفي هذا الإطار، يبيّن حجازي أهمية نظريّة الأمل التي طوّرها عدد من علماء علم النفس الإيجابي، لتصبح منظومة فكرية واثقة من قدرتها على إيجاد الوسائل العلاجيّة وتوظيفها، وصولاً إلى تحقيق الهدف.
يختم مصطفى حجازي «إطلاق طاقات الحياة ــــ قراءات في علم النفس الإيجابي»، بمجموعة دراسات عن السعادة والاقتدار الإنساني، مبيناً في فصل خاص، أهمية علم النفس الإيجابي في تحويل الإدارة من وسيلة لممارسة السلطة إلى قيادة تحويلية منمّية، تعمل على إطلاق الطاقات وتنمية المهارات. في رأيه، لا يجوز أن يستمد المدير أو القائد نفوذه من المنصب الرسمي، بل من العلاقات الوجدانية والمعرفية التي تقوم بينه وبين تابعيه. ويذكّر الكاتب بأنّ علم النفس الإيجابي يجب أن يتجاوز مجرّد الدعوة إلى السعادة وحسن الحال، بحثاً عمّا هو أعمق، وخصوصاً في ما يتعلّق بواقعنا العربي. إلّا أنّه لا يحدّد لنا بوضوح كيف يمكن أن نستثمر أدواته في مجتمعاتنا العربية، ولا سيما أنّ علم النفس الإيجابي نشأ في الغرب، على خلفيّة ثورات كبرى في العلوم السيكولوجية والمعرفية، ما انعكس على الفرد هناك... أمّا الإنسان العربي، فما زال يرزح منذ زمن طويل تحت وطأة تفسيرات بدائية تذّوبه في القبيلة والطائفة والعشيرة والدين.