تونس | رغم تاريخها القصير، تشترك الحكومات التي تتالت على تونس في ظاهرة تعنيف الصحافيين. القمع المسلّط على الحريات في تونس المستمرّ بعد سقوط نظام بن علي ليس سابقةً. لقد جاء تقرير «هيومن رايتس ووتش» بتاريخ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2011 ليكون بمثابة جرس إنذار بأنّ القوانين والممارسات القديمة لا تزال قائمة. مثلاً، يذكر التقرير أنّ «السلطات الانتقالية حافظت على العديد من القوانين المثيرة للقلق، ومنها تلك التي تمنح صلاحيات كبيرة للسلطات لمنع التجمعات العامة وفرض قيود على سفر الأشخاص»، وهو ما يبدو مدخلاً لتبرير العنف.


هذا العنف لم يستثن المسيرة التي نظمها «الاتحاد العام التونسي للشغل» يوم السبت الماضي. وجود الصّحافيّين كان كثيفاً واستمرارهم حتّى نهاية المسيرة جعلهم ينالون نصيبهم من عصيّ رجال الأمن. لم تشفع لهم دروعهم التي كُتبت عليها «صحافة»، و لا نداءاتهم المتكرّرة لأعوان الأمن بأنّهم صحافيّون. بل على العكس، تشير رواياتهم المختلفة إلى أنّهم اعتدي عليهم بصفة متعمدة عند التعرّف إلى هويّاتهم. وكانت الحصيلة الاعتداء على ستّة صحافيّين راوحت إصاباتهم بين كسور ورضوض في الجسد. شهادة عضو المكتب التنفيذي لـ«النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» أيمن الرّزقي جاءت لتؤكد أنّ الاعتداء كان متعمّداً. خلال المواجهة مع أحد عناصر الأمن، أخرج له بطاقته الصحافية. لكنّ ذلك لم يزد عنصر الأمن إلا عنفاً. في اليوم نفسه، أصدرت نقابة الصحافيّين بياناً استنكرت فيه ما حدث من ضغوط على الإعلاميّين من الحكومة وأنصارها لتكريس سياسة القمع والرقابة، متجسّدة في التّحريض على الإعلاميّين عبر شبكات التّواصل الاجتماعي، شاملة معها على الأرض الماكينة الأمنية التي استهدفت الإعلاميّين.
«استنفدنا جميع طرق الاحتجاج من استعمال الشارات الحمراء إلى البيانات والوقفات الاحتجاجيّة. واليوم، يبدو أنّ خيار الإضراب العام صار ملحّاً» تقول سلمى الجلاصي العضوة المكلّفة النظام الداخلي في المكتب التنفيذي في نقابة الصحافيين.
لهذا السبب، أصدرت النقابة بلاغاً تدعو فيه جميع الصّحافيّين إلى جلسة استثنائيّة اليوم الجمعة لمناقشة ثلاث نقاط: إصدار تقرير عن وضع الحرّيّات الصحافيّة في تونس، ومناقشة فرضيّة الإضراب العام والخروج بقرار موحّد، والتصديق على لائحة تحدّد شكل الاحتجاج المُتّفق عليه وتُلزم بتطبيقه.




في تفاصيل الإضراب

تؤكّد سلمى الجلاصي أنّ نقابة الصحافيين لا يمكن أن تنفرد وحدها بإقرار الإضراب العام، بل إنّ الجلسة العامّة التي ستعقد اليوم ستحدّد هذا الأمر. وتكمل العضوة المكلّفة النظام الداخلي في المكتب التنفيذي في نقابة الصحافيين التونسيين: «هناك مشاكل في حال تطبيق الإضراب العام تتعلّق بطبيعة الوسائل الإعلامية مرئية ومكتوبة ومسموعة. مثلاً، الإضراب في القطاع البصري لا يأخذ المنحى ذاته بالنسبة إلى الصحافة الإلكترونيّة مثلاً. هناك من اقترح مقاطعة الأخبار الحكوميّة. لكن لهذا القرار تبعات قانونيّة يجب تدارسها جيداً كي لا تنقلب الحركة الاحتجاجيّة ضدنا».