عبّر جان كلود بولس مراراً عن حزنه على وضع «تلفزيون لبنان». سعى إلى تغيير حال المكان الذي مثّل بيته الأوّل، واستمر في المطالبة بتحسين ظروف التلفزيون، لكن لا حياة لمن تنادي. تعب جان كلود بولس. أضنته المطالبة بإيجاد حلول للقناة الرسميّة قبل أن يمرض ويرحل أمس عن عمر ناهز 78 عاماً (1934 ــــ 2012).


أحد مؤسسي «تلفزيون لبنان»، يُعدّ من الوجوه الأولى التي رافقت المشاهدين منذ انطلاقة التلفزيون، الذي كان مدير برامجه حتى عام 1970، ثم تولّى رئاسة مجلس إدارته بين 1996 و1999. مرّ الرجل بخيبات كثيرة، وعانى ضغوطاً منعته من الحفاظ على صورة مشرقة للمحطّة الرسميّة. ولأن قدر الرجل أن يكون دوماً من مؤسّسي المشاريع الإعلاميّة، فقد استعانت قناة «السومريّة» بخبرته. هكذا، شارك عام 2004 في تأسيس المحطة العراقيّة، التي كانت أمس أول من أعلن خبر وفاته.
أكثر من نصف قرن، أمضاها الإعلامي القدير في التلفزيون منذ نهاية الخمسينيّات. وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد أجبرت العائلة على السفر، فولد جان كلود في لواء الإسكندرون (1934)، إلا أنّه عاد بعد خمس سنوات (1939) ليستقرّ بين طرابلس وعين المريسة في بيروت.
في مدارس «الفرير» في العاصمة، تتلمذ الصبي. هناك اكتشف موهبة كتابة النصوص الدراميّة والاسكتشات الغنائيّة. شغفه بالفن أخذه إلى نادي «فلامنكو» في عين التينة، فكان من أوائل مغني الروك في لبنان، غير أنه لم يكتف بالتأليف والغناء. مثّل في الكثير من الأعمال المسرحيّة التي كتبها أو اقتبسها، ومنها «مريض الوهم» لموليير. وفي الجامعة، لم يستجب الشاب لأحلامه الفنيّة، بل درس الهندسة في الجامعة اليسوعيّة. هكذا، لبّى نداء «إدارة الطرقات والمباني» في مهمات هندسية تتعلق بإنشاء تلفزيون لبنان. صار الشاب قاب قوسين أو أدنى من العمل التلفزيوني، دخل التلفزيون بتوصية فرنسيّة، وقدّم مجموعة من البرامج على «القنال 7» (تلفزيون لبنان سابقاً). كان جان كلود من أول المذيعين الذين يظهرون على الشاشة، غير أن عمله كمدير برامج دفعه إلى ابتكار أفكار مناسبة للتلفزيون، فكانت البرامج الكوميدية مع أديب حداد (أبو ملحم)، وصلاح تيزاني (ابو سليم)، إضافة إلى برنامج المواهب الفنية الشهير «استديو الفن».
توقف الرجل عن العمل في تلفزيون لبنان عام 1970، وظل حتى عام 1995 يقدم البرامج بالإنكليزية مع جاستون شيخاني على قناة تلفزيون لبنان الأجنبية Le Neuf، ثم عاد إلى تقديم البرامج بالعربيّة. وحقّق برنامج «عائلة 75» نجاحاً كبيراً. كما قدم برامج مختلفة منها «الفوتبول» و «زوّار المسا» و«أحد ع الهوا».
غير أن المرحلة الأولى من مشواره في التلفزيون الوطني التي بدأت نهاية الخمسينيّات، انتهت مع اندلاع الحرب الأهليّة، فتوجّه إلى العمل في الإعلانات، وأسس عام 1973 شركته الخاصة Inter Régies، كما كانت له بصمته في البرامج الغربيّة. مع ذلك، يكاد كثيرون لا يتذكرون جان كلود الإعلامي لأن صفته كرئيس مجلس إدارة التلفزيون طغت على كل ما عداها من مهمات قام بها في المحطة الرسميّة. في عام 1996، كلف بمهمّات رئيس مجلس إدارة التلفزيون. أحلام الرجل في تحويل التلفزيون إلى شاشة الوطن، اصطدمت بأرض الواقع مع موظفين تنقصهم الكفاءة عُيِّنوا بالواسطة، ومخصصات متواضعة جداً.
في هذه المرحلة، عاش بولس كابوساً بسبب الموت السريري الذي أصاب التلفزيون الرسمي، ولم يشأ أصحاب القرار في الدولة الالتفات إليه. وإذا كان الكتاب الصادر باللغة الفرنسيّة بعنوان «التلفزيون، رحلة إلى الجحيم» قد عرض تجربته كمدير برامج وإعلامي وإداري، فقد قدّم فيه أيضاً تفاصيل مهمة عن «شركة التلفزيون اللبنانية»، التي عُرفت بـ «القنال 7» (تأسست عام 1959) في تلة الخياط، ثم تأسست بعدها بعامين منافستها «تلفزيون لبنان والمشرق» عام 1961 في الحازمية، ثم دُمجت المحطتان في «تلفزيون لبنان» بعدما قاربتا الإفلاس على أبواب الحرب الأهليّة. وكان للرجل بصمة مع رعيله في الثمانينيات قبل دخول موجة الفضائيّات، وكان من أبرز الوجوه الحاضرة على الشاشة مع برامج المسابقات. اليوم، يفقد لبنان أحد رواد التجربة الإعلامية فيه، وُصف بالمدرسة الإعلامية الشاملة، وكان له الفضل في تأسيس التلفزيون الرسمي.




تقام الصلاة على راح نفس الراحل في الثالثة من بعد ظهر اليوم في كنيسة «مار جرجس» في وسط بيروت