تفاجئنا منغانا الحاج بشعرٍ ينأى بنفسه عن أكثرية ساحقة من الشعراء الجدد الذين باتوا أسرى نسخة شعرية مستهلكة لكثرة ما تكررت فيها مشاغل السير الذاتية وتفاصيل الحياة اليومية واللغة المعاصرة. لا تغيب هذه الموضوعات عن ديوانها «برهان الخائف» (دار نلسن)، وهو الثاني لها بعد باكورة بعنوان «عمر الماء» (2005). لكن حضورها مشروط بوجود ممارسات لغوية مختلفة. تُنزِّه الشاعرة جملتها في مناطق غير ميسّرة، وتلامس موضوعات ومذاقات جانبية ومنحرفة عن الأوتوستراد الذي تسلكه معظم التجارب الجديدة التي نقرأ لها. جملة متباطئة وغير معنية بالوصول سريعاً إلى معنى متاح أو استعارة جاهزة. جملة تمتلك بطانة من التأمل والتفلسف العذب، بينما الكلمات على السطح تحظى بشجنٍ إنساني مكتوم.


صفاتٌ مماثلة تجعل المجموعة كلها مستغرقة في عوالم مفتوحة لا تتبادل فيها الشاعرة الكلام مع نفسها فقط.
الشعر مسألة شخصية، لكن التأمل يمنحه فرصة الطيران بأجنحة مختلفة. في قصيدة «سؤال»، نلمس التأمل والاختلاف معاً: « وأنا أنظفُ أرضية البلاط/ أسندُ جذعي إلى عصا المكنسة/ لا لأسأل هذه المرة كم الوقتْ/ بل عن المرات التي عليّ أن أقف فيها/ وتكون أفكاري غير ملمَّعة». في قصيدة أخرى، نقرأ أفكاراً وصوراً غير مطروقة: «تأتي بعيدان الزوفى/ تشتلُ الحوض الذي بصقتَ فيه مراراً/ تتمثّلُ الإساءةَ وردةً خضراءَ في مرجٍ أخضر/ تنزلُ حوض السباحة/ وفي المياه/ لا حاجة أن تشرحَ أحقادك».
الدهشة في المقطعين السابقين تنبعث من كتابة لا تتعسّف في معاملة اللغة ولا المشهد الذي تكتبه هذه اللغة. كما في التجارب الشعرية الأخرى، هناك عزلة وآلام شخصية تحاول أن تجد تأويلاً لائقاً، ولكن المادة الشعرية هنا أكثر مرونة واتساعاً من المساحات الضيقة التي يُحتفى فيها بالعزلة. يحدث ذلك في فكرة وجودية وتجريدية كبيرة، كأن تقول الشاعرة: «أينما حلّتْ تنسى إبرتها/ الروح بين الأقمشة تتعذب أكثر»، ويحدث الأمر ذاته في مشهد حبٍّ عادي: «حين تكبو على كرسيِّك الهزّاز/ يحلو لي أن أعبرَ/ كأنك تردُّ عليّ بالإيجاب».
الفرق بين ما نقرأ وبين الشعر اليومي أو الشفوي الرائج بكثرة موجود في الزاوية التي ترى منها الشاعرة المشهد أو الفكرة، وفي الحساسية المتأنية في ترجمتها، بينما تتدخل عناصر متعددة في صياغة هذه الترجمة. الطبيعة حاضرة بكثافة إلى جانب التأملات الشخصية الساعية إلى الذوبان في تساؤلات بشرية وكونية: «دائماً نجد أعذاراً لبكائنا/ نرى اليابسةَ عيوناً مطبقة فوق عيون مطبقة/ ليست الببغاءُ ما فضح نشيجنا في الليل/ ولا الطائرة التي أبطأت وهي ترفع سلالمها/ إنما الميتُ الذي كنا نراسله/ فيما نحن حريصون على أن نبقى أحياء». المشهد الواسع قد يضيق في عبارة مثل «من له عمري/ يعضُّ على أسنانٍ مسحوبٌ عصبُها»، أو في سؤال مثل «ماذا لو، مرةً، ناديتُ حياةً/ وكان الموتُ جليسها؟». هناك نوع من الرثاء للذات وما يجري في محيطها المادي والفلسفي، بينما الشاعرة تحلم بالمغادرة إلى عالمٍ آخر، ولكن المغادرة ليست سوى استعارة مؤلمة: «الطرود التي وضَّبتُها/ والحقائب الجلدية التي أسرفتُ في شرائها/ سفرٌ محمومٌ لا أعرف وجْهَتُه».