تخوض رواية «أجندة سيد الأهل» للروائي المصري أحمد صبري أبو الفتوح (دار العين ـــ القاهرة) مغامرة تتناول «ثورة 25 يناير» كموضوع للكتابة الروائية. إنّها مغامرة تشبه السير في أرض ملأى بالوحل يسهل الانزلاق فيها. غير أنّ الكاتب، الذي عرفه جمهور الأدب المصري قبل عامين مع صدور روايته «ملحمة السراسوة»، التي فازت بجائزة «ساويرس» العام الماضي، تجنّب كل ما يمكن أن يؤدي إلى سقوطه في منزلق الكتابة عن حدث لا يزال في طور التشكل. لقد راهن على تناول الحدث من أسفل، أي من خلال رواية الآتين من قاع المجتمع بما يذكّر برائعة فيكتور هوغو «البؤساء» الذين صاغوا من أسفل حكاية الثورة الفرنسية.


التقط أبو الفتوح حكاية عادية لا تبتعد عما هو سياسي، لكنها تضعه في الخلفية. المهم هو الحكاية التي يرويها رفاعة سيد الأهل ورفاقه المتحجزون في أحد معتقلات مراكز الشرطة التي يحترف قادتها التعذيب.
تظهر الرواية أنّه يمكن النظر أيضاً إلى الثورة كسردية كبرى تشكّلها سرديات صغيرة، تتصارع الأصوات التي تصنعها الى حد تضارب الروايات، لكن اعتماداً على بنية مركزية تمثلها حكاية رفاعة سيد الأهل، ابن المناضل العمالي الذي دفعه الفقر إلى العمل في تجارة المخدرات داخل الجامعة. لكنه يرفض التعاون مع أجهزة الأمن احترماً لماضي والده. وبسبب هذا الرفض، يتم التنكيل به داخل أجهزة الأمن. وبالتواطؤ مع قضاة فاسدين، يدخل السجن، وهناك يضع قائمة بالأشخاص الذين ينبغي الانتقام منهم. لكن عند إطلاق سراحه وبقية المتحجزين ليلة الثورة، يواجهون مصيراً واحداً هو تنفيذ مخطط الانفلات الأمني. تتغير الأولويات ويتبنى رفاعة خطة للانتقام يتراجع عنها عندما ينتبه الى أنّ أجندة الثورة التي يبشر بها شقيقه شهدي هي الأولى، بينما يتبنى سجناء آخرون خطة الثورة المضادة التي يقودها «تايسون» ورجاله البلطجية.
يمتد الزمن الروائي من ليلة 27 كانون الثاني (يناير) حتى صباح الثاني من شباط (فبراير)، حيث جرت وقائع الثورة ووصلت الى موقعة الجمل الشهيرة التي تعدّ يوماً فاصلاً في مسار الثورة. لكن في معماره الفني الذي شيّده ببراعة، يجاور أبو الفتوح بين تلك الأيام الطويلة وأصوات الرواة المثقلين بتجارب عنوانها الألم. تجارب تجر معها تواريخ انكسار الروح في مصر منذ هزيمة يونيو، مروراً بالانفتاح الاقتصادي الذي أنتج رجال أعمال تابعين (صفوت البيومي) وجلب معه تجار الدين الفاسدين (نموذج أبو داوود الجهيني) الذين تكشف الرواية بوضوح علاقتهم بالأجهزة الأمنية.
لم يستثن أبو الفتوح في روايته أصوات المعذبين من رجال شرطة وقضاة الأمر (اللواء عاصم الإمام، والرائد مجدي الحسيني). يجعل النص جدارية تعكس أصوات المقموعين وتصوغ بلاغتهم وتعرّي معها سيكولوجيّة الإنسان المقهور.
تشير الرواية أيضاً الى الآلية التي تعمل بها مصانع إنتاج الثورة المضادة، وتكشف التحالفات البنيوية القائمة بين أجهزة القمع والبلطجية أمثال تايسون، واللنش، وسيد القماش، وتيمور الناعم، والأعور القادرين على التحول من ضحايا قمع الى أداة له بهدف كتم أصوات التغيير. وقد أفاد المؤلف ببراعة من خبرته كرجل قانون (عمل وكيلاً للنائب العام قبل التفرغ للمحاماة)، ولا سيما في المشاهد التي تستدعي وقائع التعذيب. وهي مشاهد لم يكن مصدرها تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، لكنّها شهادات حية جمعها المؤلف كمن يريد القول بأنّ المجتمع الذي يفتقر إلى الأمل واليقين ينتج ضحاياه ومجرميه بآلية اليأس نفسها. إنّه أشبه بمريض مصاب بانسداد الأوعية الدموية، بلا أمل في النجاة.
لا يغادر أبو الفتوح النفَس الملحمي السردي الذي كتب به خماسيته العذبة «ملحمة السراسوة». نتلمّس قدرة على الاستنباط والغوص في أعماق شخوصه، لكن من دون التورط في لغة شعرية ميزت عمله السابق. اللغة هنا ترغب في ملاحقة حدث مراوغ. لكن الشخوص لا تأتي من ذاكرة حلمية كشخوص ملحمة السراسوة. المؤلف يتورط في الكتابة عن واقع حي وألم طازج وفرح على وشك الظهور يدفعه الى مغادرة تلك اللغة التقريرية والكتابة عن صفية معشوقة البطل التي لا يمكن تفادي اسمها الذي يدلّ على صفاء لحظة الأمل وبشارة التغيير. صفية تبقى لتغني للأمل في الشارع وفي ميدان التحرير، حيث سقط عاشقها على أطرافه قبل أن يدخله ضحية لتجّار الثورة المضادّة والفلول.