لم يعد الأمر سرّاً على أحد. إنّ وباء «الإثارة الجنسيّة» متفشّ على الشاشات اللبنانيّة. والأنكى من ذلك أنّ الناس تطلب المزيد. المعادلة مقتبسة من كتاب «الرأسماليّة الوحشيّة مفسّرة للبسطاء»: الجمهور يحبّ الإثارة، والمعلن يحبّ الجمهور، وصاحب المحطّة يحب المعلنين. وها هم حرّاس الفضيلة، الأوصياء على عقولنا وأذواقنا، ينبرون لوقف الخطر الداهم، بعد أن اكتشفوا مخاطر الليبراليّة وأحكام السوق التي تسلّع القيم والإنسان. وهذا أقلّ ما كنّا ننتظره من دولة المؤسسات التي أمّنت لشعبها كل أنواع الخدمات والضمانات والحماية والرعاية والأمن والاستقرار والازدهار والتنمية والعدالة، ولم يعد أمامها سوى اللمسة الأخيرة، أي حماية الأخلاق العامة من عبث المفسدين في lbc وOtv و«الجديد»...

يبدو أن تلك المحطّات تخالف «القانون»، عبر بثّ برامج هدّامة وخطيرة. من قال إن المشاهد يحقّ له، أيّاً كانت جدية الطرح، أن يكتشف معضلة «زواج القاصرات» في «أحمر بالخط العريض»؟ وأن يبحث عن حلول لمشاكل القذف المبكّر والفوبيا الجنسيّة من خلال «لازم تعرف»؟ وأن يستسلم لابتسامة طوني خليفة، وهو يتلصص على فضائح الناس، قبل أن يصحو على وقع الوعظة الأخلاقيّة في النهاية؟ وأن يضحك ملء شدقيه لنكات LOL التي تلعب على المحظور الاجتماعي؟ المواطن مش لازم يعرف، مش لازم يفكّر، مش لازم يضحك. هناك من يختار عنه، ويعرف مصلحته أكثر منه. وبما أن العالم يفتقر إلى معايير وقواعد وتقاليد لحماية الأسرة والطفولة والمجتمع، فإن لبنان سيخترعها. أصحاب المحطّات الذين يهمّهم إنقاذ ما بوسعهم من «التورتة»، حلّوا الثلاثاء الماضي في ضيافة «لجنة الإعلام والاتصالات» النيابية، و«المجلس الوطني للإعلام»، للتباحث في كيفيّة اختراع هذه المعادلة السحريّة. أما الخطوة الثوريّة الجديدة لضمان مزيد من حريّة التفكير والتعبير والنشر، وترسيخ أساسات الدولة العلمانيّة، فكانت انعقاد الاجتماع تحت بركات هيئة مستحدثة تضمّ ممثلين عن الطوائف اللبنانيّة، وتحمل اسماً معبّراً «هيئة حماية القيم والدستور». خطوة دستوريّة طبعاً، وديموقراطيّة، تؤكّد على وجه لبنان المتعدد والمنفتح والرائد، إلخ. لكن رجاءً، رجاءً، سيّد عبد الهادي محفوظ، على الأقلّ لا تخلطوا في ملف واحد بين مشاكل القذف السريع والتواطؤ الموضوعي مع العدو الإسرائيلي على Mtv!
كان الاجتماع هادئاً وإيجابياً كما تسرّب، لكنّ أحداً لم يتساءل لماذا لا تشاهد أكثريّة الناس المحطّات الراقية التي تموّلها الدولة اللبنانيّة؟ ترى كيف ستتمكّن هيئة النهي عن المنكر السمعي ـــ البصري من إقفال الفضاء بأسره، وعزل الشعب عن العالم، ومنع الجيل الجديد من الاطلاع على كل ما يريده بكبسة زر على هاتفه المحمول؟ آن الأوان لتأسيس المجلس الوطني لحماية القيم والدستور من الـ«سمارت فون».