بعد سقوط النظام في تونس، توقّع الجمهور انعكاس أجواء الحريّة المستجدة على الفنّ السابع. لكنّ معظم الأفلام جاءت قريبةً من نشرات الأخبار التقريريّة. ورغم ذلك، حافظ الفيلم القصير والفيلم الوثائقي على مستوىً راقٍ من حيث الجرأة والجماليّة، متفوّقاً على نفسه، وإن بإمكانيات قليلة. هذا ما يثبته شريط «نحن هنا» (52 د.) للمخرج عبد الله يحيى.


عمل المخرج على هذا الفيلم ثمانية أشهر بين آذار (مارس) 2011، حتى كانون الثاني (يناير) 2012. وبدأت فكرته مع تصوير أوّل قافلة تضامنية قادها تلاميذ معهد ثانوي من تونس العاصمة إلى منطقة نائية تسمّى الصري، قرب مدينة حيدرة (قرب الحدود مع الجزائر). يغوص شريط «نحن هنا»في شريحة اجتماعيّة عانت من التهميش طويلاً. الحديث عنا عن سكان الأحياء الشعبيّة والقصديريّة التي تنتشر كأحزمة حول الأحياء الرّاقية، وعادةً ما يستهلكها الإعلام كمادة للتركيز على مظاهر التخلّف، عوضاً عن شرح أسبابه.
بفضل المونتاج المبتكر، يأخذك عبد الله يحيى في جولة نادرة إلى حيّ جبل الجلود، في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة. الحي المعروف بنسب الفقر والإجرام المرتفعة فيه، تفصله بضعة كيلومترات فقط عن وسط المدينة، ولكن سنوات ضوئيّة عن رفاهيتها. يُعتبر ذلك الحيّ منطقةً محظورة على غير سكّانه، لكنّه كان طريقاً سالكة أمام عدسة عبد الله يحيى. يقول شباب جبل الجلود: «نحن هنا، ولا مجال لإقصائنا». تراهم كما لم ترهم من قبل، يتحدّثون عن طموحاتهم الفنيّة، ورغبتهم في تغيير أنفسهم، وبناء تونس جديدة.
كاميرا المخرج كانت تتحرّك دائماً، تعبر من إطار زمني إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، بسلاسة طفل يدور على دراجته... ثمّ تأخذك إلى أكثر المناطق حميميةً، وأشدّها حرجاً، في يوميات بائع الحشيش، ومغنّي الرّاب، وعاملة التنظيف، والأستاذ المنفتح، وزميله المحافظ. «لم أرد أن أعطي دروساً لأحد. كلّ ما في الأمر أنّني تحدّثت عن أناس منسيّين، بحاجة لمن يستمع إليهم».