«العمل النقابي ليس سياسياً» تقول عايدة الخطيب، كأنها لا تعرف أن كل شيء في لبنان مسيّس. مشياً على قاعدتها تلك، خاضت الانتخابات الموحدة لرابطة التعليم الأساسي الرسمي. خاضتها مستقلة، متجاوزة بذلك قرار الحزب الشيوعي اللبناني الذي لا تنتمي إليه فحسب، بل هي عضو في لجنته المركزية أيضاً. تُميّز الخطيب بين أن يلتزم المرء بتوجه حزبه في انتخابات نيابية أو بلدية، وبين أن تكون له خياراته النقابية.


لكن هذه المبادئ، وذلك التاريخ الطويل من العمل النقابي، لم يجلبا لها سوى 156 صوتاً في الانتخابات بعدما تخلى عنها «أهل البيت» في الحزب الشيوعي الذين «تحججوا بخروجي إلى التقاعد هذا العام». هكذا، خسرت هي الانتخابات، في حين ربحت «المحاصصة الحزبية» على حد تعبيرها.
لا يحجب استياء المرأة من التجربة الأخيرة هدوءاً تقول إنها لم تنعم به منذ أكثر من 20 عاماً، أي لحظة توليها مهمات نقابية قيادية. لكن الهدوء الذي تتحدث عنه لم يصل بعد إلى هاتفها الخلوي الذي لم يهدأ لحظة واحدة خلال اللقاء بها في منزلها البيروتي. لا تزال الخطيب «مرجعاً» يحظى بثقة المعلمين. يعودون إليها ليستقوا «الخبر اليقين» في ما يخصّ مطالبهم وشؤونهم. هذه الثقة ليست وليدة اللحظة، بل تكونت بفعل تراكم سنوات طويلة من «النضال».
بدأت الخطيب مسيرتها طالبةً في دار المعلمين في بيروت. كانت نائبة رئيسة رابطة الطلاب عندما «خضنا تحركاً خاصاً بالرواتب والمنح في الدار» في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. بعد التخرج، بدأت مسيرتها المهنية معلمةً لمواد الرياضيات والتاريخ والتربية المدنية في المرحلة المتوسطة، ثم تولّت إدارة مدرسة ابتدائية. في عام 1972، كانت بدايتها الفعلية. انضمت إلى رابطة المعلمين في بيروت مندوبةً لمدرستها. ولم تكن هناك رابطة للتعليم الأساسي موحدة في كل لبنان، بل كانت هناك رابطة في كل محافظة. في تلك الفترة، لم تتولّ الخطيب مراكز قيادية بقرار ذاتي: «كان أولادي صغاراً ويحتاجون إلى رعايتي، فيما تستنفد المسؤوليات النقابية كل الوقت وخصوصاً لمن يريد أن يجيد عمله حد الإتقان». بعد سنة واحدة من انخراطها في عمل الرابطة، شاركت الخطيب في الإضراب الذي صُرف على أثره 350 معلماً من وظيفتهم. تحجج وقتها وزير التربية الراحل نجيب أبو حيدر بالإضراب لإقصائهم. لكن في الواقع، كان قرار الصرف في العام 1973 سياسياً ومبيتاً، تقول الخطيب. «كان المسؤولون يصرون على القول إن الشيوعيين يحركون المعلمين، في وقت شملت الخطوة أناساً لم يشاركوا في الإضراب وآخرين كانوا متقاعدين وقسماً ثالثاً كان متوفى».
في الثمانينيات، جرت محاولات عدة لتوحيد الروابط الخمس في رابطة واحدة. يومها، شغلت الخطيب منصب نائب رئيس الرابطة قبل أن تتسلم في عام 1998 منصب رئاسة رابطة بيروت الذي خسرته في الانتخابات أخيراً. لم تكن مهمة التوحيد سهلة في بلد «كل ديك على مزبلته صياح» حسب وصفها. معارضة التوحيد كانت تأتي دوماً من الشمال. لماذا؟ تجيب: «لا أعلم. ربما لأنّ أهل هذه المحافظة معتادون على أن تكون لهم نقابتهم المستقلة عن العاصمة كما في نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين». هذا التشتت لم يعرقل عمل روابط التعليم الأساسي، وبقيت الحركة المطلبية وحقوق المعلمين تجمع رؤساءها المختلفين سياسياً، أو هذا على الأقل ما تقوله الخطيب. تستدرك مستعيدة لحظات دقيقة: «طبعاً، لا أنكر الخوف من الضغوط السياسية على رؤساء الروابط في كل مرة نقرر فيها أن نتحرك للمطالبة بحق ما أو لاسترجاع مكتسب مسلوب».
من كان يتابع حركة «النقابية» في تلك الفترة، يشعر بأنّ الخطيب رئيسة رابطة كل لبنان وليس بيروت فحسب. السبب في هذا، قدرتها على ملاحقة الملفات والتحركات إلى حد الإلحاح. تحاجج في القوانين وتعرف كل الأرقام والتواريخ و «ما هو لنا وما هو علينا». وربما يكون آخر ما أنجزته في هذا الإطار، هو تضمين «قانون الأربع درجات» في النص الذي أقره مجلس النواب أخيراً: مادة تعطي المعلم المبتدئ في التعليم الأساسي، حقّ الحصول على الراتب نفسه للمعلم المبتدئ في التعليم الثانوي، أي مليون و88 ألف ليرة لبنانية، كون الإثنين يتمتعان بالمؤهلات نفسها.
كل ذلك كان يتم ببال طويل وحزم وقرار نقابي حر. تجزم هنا بأنّ الدعم التاريخي لحزبها للعمل النقابي ساعدها كثيراً. هذا لا يلغي صفات كوّنت أسرار نجاحها النقابي، كأن تجتمع في شخصيتها القوة والدبلوماسية. «لست عنيفة، ولا أفتعل مشاكل مع أحد. في الوقت نفسه، لم أكن أهادن أو أفرط بأي تفصيل له علاقة بحقوق المعلمين. لكن أسلوبي كان علمياً ومنطقياً، بعيداً عن الشعارات». تفتخر بأنها لم تشعر يوماً بأنّها ضعيفة «لأنني لا أتكلم إلّا بالمطالب. ولا أتذكر أنني طلبت شيئاً لجيبي ذات مرة». تختصر: «أعرف ما أريد، وأعرف كيف أطرحه وأدافع عنه». في المقابل، انتزع المعلمون الكثير من المطالب، برأيها، عن طريق تسخير السياسة لمصلحة قضاياهم.
ربما يجيب ذلك على استغراب المراقبين التربويين علاقتها الوطيدة بالنائب بهية الحريري. السيدتان صديقتان رغم أنهما تنتميان إلى خلفيتين سياسيتين مختلفتين. هنا تشرح الخطيب كيف وعت النائب أن المعلمين هم «كلّ لبنان»، واستوعبت ذلك بالسياسة: «من يمسك المعلمين، يُمسك البلد».
تسرّ لنا الخطيب بأنها تؤمن بالإنسان كإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة. لم تؤيد يوماً «الكوتا» النسائية حتى لو مرحلياً. و«لهذا السبب لست صديقة للجمعيات النسائية، فآرائي لا تعجب عضواتها». أطلق عليها لقبُ «صاحبة اللاءات الثلاث»: «لا للكوتا في الأحزاب، لا للكوتا في النقابات، لا للكوتا في التمثيل السياسي». ربما يكون سبب وقوفها ضد «الكوتا» أنّ المسألة ليست مطروحة في التعليم الرسمي، حيث وجود المرأة، عددياً، كبير ولا لزوم لتخصيص «حصة» لها داخل الهيئة الإدارية للرابطة. هذا عدا وجود كادرات نسائية عدة في هذا القطاع، ما يوفر عنصر الكفاءة المطلوب.
بالعودة إلى توحيد العمل النقابي في الرابطة، تقول الخطيب إن «الدرب كان طويلاً ولم ينجز إلّا في 2008». كانت لها اليد الطولى في تحقيق حلم انتظره المعلمون اللبنانيون خمسين عاماً. أعدت القانون وانتزعت موافقة وزيرة التربية آنذاك بهية الحريري عليه. كان هذا الإنجاز الأخير قبل إقصائها. اليوم، تعود الخطيب إلى عائلتها ولا تستبعد أن تستثمر خبرتها النقابية في مجال آخر، لكنها لن تعود حتماً إلى الرابطة ولا حتى «رئيسة فخرية».




5 تواريخ

1947
الولادة في بيروت لعائلة من بلدة شبعا الجنوبية

1972
انضمت إلى رابطة المعلمين

1998
انتخبت رئيسة لرابطة بيروت للتعليم الرسمي للمرة الأولى

2008
انتزعت قرار توحيد روابط التعليم الأساسي

2012
أقصيت عن العمل النقابي بعد خروجها إلى التقاعد