لا يزال كريم دكروب ينصب فخاخ الأمل للصغار والكبار. «يا قمر ضوي عالناس» (تأليف كريم دكروب بإدارة جمعية «خيال»، موسيقى أحمد قعبور، سينوغرافيا وليد دكروب) التي تعرض على خشبة «دوار الشمس» مكيدة أمل جديدة. مكيدة فن. لا تكتفي بالتحول الثقافي عبر التجربة. لا يدوّر دكروب العمل على الحداثة في التجربة وعلى الكامن في التراث وحدهما. نطّ معلوم التجربة فوق ذلك إلى غير رجعة بالمساواة بينهما من دون صرير التفكير المتشدد. عنده العقل، قمة القيم. وحيه الأول ما أبدعته الثقافات غير العربية عبر حركات النقل. صارت هذه حاضرة مسرحه على مدد بعيدة. تمكنت منه، ثم تمكن منها. هكذا، يغطّ في التراث، من دون أن يتمنّع عن استعمال الأدوات التقنية والمعارف الغربية الحديثة. هو لا يعتبر ذلك ابتعاداً عن تراثه، لأنه يُسخِّر التقنيات والمعارف المذكورة في خدمة قصة يوسف (في القرآن والعهد القديم). يحييها بتحديثها، لا بوصفها قصصاً دينياً. من خلالها، يحقق المعنى بالمعنى. مقاربة تبين عثرات العلاقة بين البشر والبشر. تقوم أنظومته الثقافية هنا على قراءة النبهاء للقصص، بعيداً من التحريم والتجريم، قريباً من غنى الوجود. لن يضطر هذا المسرحي، ابن التجربة الروسية (خريج روسيا) لشرح تأثيرات خروجه على المدرسة الروسية (تجربة كراسندار) ولا على التجربة اليابانية (البونراكو)، لأنّ الخروج لا يؤدي إلى هباء، ولا يشكل خيبة أمل، مع تسجيل الحضور الخاص إثر العيش في تجارب الآخرين والتفكر بها والتكلم عليها. روح الفنون تسبق أشكالها في «يا قمر ضوي عالناس». لم تعد تأثيرات الأساتذة بائنة على التلميذ، لأن التلميذ أصبح أستاذ نفسه منذ سنوات طويلة.
لا لياقات ثقافية، ولا خطوط مرسومة، حين يكتب كريم دكروب عرضه بالصورة. لا يتمتع الكلام عنده بمظاهر العظمة. لا يتسلط على العرض، ولا يقيم عليه نوعاً من أنواع العنف. للكلام نطاق معين. أما النطاق الأوسع، الأشمل فهو للمشهد. السينوغرافيا (وليد دكروب) والإخراج يشخصان المسرحية أولاً بأول. الأفق هو في السينوغرافيا والإخراج وصناعة الدمى. الأخيرة تسجّل حضوراً ناضجاً بفعل تراكم التجارب. لا براءة في صناعة الدمى، لأنّ دكروب تحرر في المسرحية الجديدة، من المسبقات والأوهام والإيديولوجيات. إنه في قلب واقع التجربة، من دون تزيين. التوقف أمام العلل السابقة الكامنة في مجال مسرح الأطفال الثقافي (ومجمل نواحي الحياة السابقة له وفيه) قاده إلى نفض التجربة والتخلص من كل ما هو زائد.
دمى عزيزة، دمى تتألق، كما يتألق بشري على المنصة (تحريك أدون خوري وفؤاد يمين...). ذئاب كبيرة. ذئاب صغرى. إناث. ذكورٌ. شجرٌ. بشرٌ. جبالٌ. بيوتٌ. سماءٌ. أرض. كل شيء وظيفي. السلوكيات تكثّف المعتقدات. هكذا، يبان فن خيال الظل والفنون الحسية المرتكزة إلى الإدراك البسيط. لا شيء يباعد بين الحياة المسرحية والتنظير المسرحي. لا ألاعيب في التحريك، لأنّ الأخير يحقق متطلبات فلسفة العرض، أو كشف تقنياته على الجمهور. لا علاقة للتغريب البريشتي بذلك. من قيم العرض أن يقدم شخصياته الفردية من خلال الجماعة. جماعة تقود الدمية الواحدة، بفضائها المفتوح على الاحتمالات والتأويلات. واقع الفرق بين القديم والجديد. لن تعيق اللعبة الضوئية في عمق المسرح، تأصيل حركة النقل من مرحلة إلى مرحلة. الشيخوخة عودة إلى الطفولة. روح الطفولة من عمق ذاكرة التجربة، حتى لا نشير إلى شيخ تجربة أو شيخوخة، ما يتوجب توضيحه، بحيث لا يفهم التوصيف على غير ما هي الغاية منه. ما حدث هو تثقيف العقل على مدى سنوات كثيرة، نشَدت ما وصلت إليه.

دمى عزيزة تتألق، كما يتألق بشري على المنصة

ريبرتوار حاشد بالأعمال النوعية. كل مسرحية تعبّر عن حالة شخصية، لا تلبث أن تتقدم باضطراد. لا حالات عابرة. امتنع دكروب في الجديد، عن حشره بالقديم. وإذ يقال إنّ العقل يتشكل أشكالاً مختلفة باختلاف الأشخاص العاقلين والأقوال والأفعال، يقال إن منحة الشغل المشترك بين كريم دكروب وأحمد قعبور، تحدت، وغيَّرت، بحيث باتت هي نفسها، أمام ضرورات التغير بتحدي الشراكة ذاتها لصالح شراكة أخرى.
لا كلام ميتافيزيقياً، حين نتكلم عن شراكة كريم دكروب الباهرة مع أحمد قعبور. جزء من جوهر مسرح كريم دكروب هو في هذه الشراكة. بيد أنّ الشراكة بين الاثنين، بانت في العرض الأخير كأنها استنفدت غاياتها وأهدافها. لا لأنها ما عادت ذات شخصية، بل لأنها بنت الشخصية هذه. باتت حاضرة، فاخرة، بصفة المطلق. لكن تلك الصفة تخلخل مزاج المسرح/ الأساس/ حيث تصنع التجارب شراكات، ثم لا تلبث أن تخرج عليها، كي لا تقع في الغرار. التجربة الجديدة مع أحمد قعبور هي على غرار التجارب القديمة. لا انتقاص من قوته الدرامية في التأليف الموسيقي والتلحين. ينسحب هذا القول الموسيقي على الفضاء المسرحي، إذ تتكرر الهوية القعبورية ذات الروح المدينية الواضحة والمفاتيح الأوضح. انسحابه المتكرر يقيمه كطباعة لا كإبداع، أو يجعل الإبداع شيئاً نسبياً مع تكرر الإبداع بروحه ومفاتيح روحه وعوامله الشخصية الأخرى.
في الفلسفة، العالم في «يا قمر ضوي عالناس» صحراء مترامية. الذئاب أكثر إنسانية من البشر. لا سستمة هنا. لا تشاؤم. رمز أو إشارة إلى راهن العيش. ولأن الغاية هي توجيه الساعي إلى مسار السعي، نخلص إلى أن شخصيتين في العرض أفضل من شخصية واحدة. شخصية للكتابة وشخصيةٌ للإخراج. كتابة كريم دكروب، صناعة خلق العالم الأول على الورق، في انتظار عالم المسرح. جمال التركيب على المنصة، يتضاعف بحضور النغم الآخر، من الشخصية الأخرى. دور على دور. يتسع المحيط بذلك وتثرى البيئة وتتميز السمات أكثر، لأن الكاتب، على قدر ما يتقن الكتابة، يبقى بعيداً عما تخيله. الاكتمال في الفرق... الفرق بين الكاتب والمخرج.
ملاحظة أخرى. صنع الخيال يأتي من لقاء خيال الكتابة بمخيال الإخراج. لا مثال لأنّ المثال عبرة لا مغامرة. المسرح مغامرة. لا بأس من ملاحظات أخرى كبلادة الوالد في المسرحية من صناعة حضوره (بطرس روحانا).
عقلاني كريم دكروب، لم يبقَ داخل حدود عقله. يضع يده في النار، من دون أن يحلم بالجنة. ما عاد يأخذ التجربة من زاوية، بعدما باتت تجربة زوايا. ضوء المسرحية الأخيرة يغمر وجه التجربة. ضوء كاشف. ضوء موضعي باهر، يُبين موضع التجربة ويوضح قسماتها. ويصبح بمستطاع الناظر إليها أن يسأل: من في الواقع ، ينظر إلى الآخر؟ وضعية تشق الستائر بدلاً من أن تتركها مدلاة. الضوء يحدد درجات الجسد، وحاجات الجسد لكميات الضوء. لا لحظات هاربة هنا. التجربة وصلت إلى الذروة. كبر صبي «النادي الثقافي العربي»، بعيداً من كاميرات المراقبة. إيقاظ وعيه، مرة أخرى، يكشف له بعض عيوب التجربة. عيوب نادرة لا علاقة لها بالجسد التعبيري. عيوب كسوة الفضاء، بِمَا بات يقلّص العلاقات في الخارج إلى حدود التوقع. أسماء تتكرر. عجت التجربة بالأسماء هذه. حققت شروط الشراكة. أصعب الأشياء الانقطاع عمن نحب. الثراء هنا في القليل أو الكثير من الألم.
«يا قمر ضوي عالناس» لكريم دكروب: الرابعة بعد ظهر كل يوم سبت حتى 31 كانون الأول ــــ مسرح «دوار الشمس» ــ للاستعلام: 01/381290