تونس | موسيقى الألوان والأشكال، هي الصفة التي يمكن إطلاقها على معرض قيس رستم. سمفونية متجانسة ومتناغمة، ومدارات مشحونة بزخم ثوري جمالي، وبتراكمات حملها صاحبها من فضاءات المسرح والرقص وإيقاعات الموسيقى الأفريقية. بعدما عرضها في مرسمه على الفاضل الجعايبي، وجليلة بكار، وعلى شقيقه هشام رستم، ولطفي الحافي، أخرج رستم 17 لوحة زيتية من أعماله إلى الضوء، ليفتتح بها أوّل معرضٍ فرديّ له بعد الثورة التونسيّة. «تركت الناس في شارع الحبيب بورقيبة ينهون مشوارهم الثوري، وأغلقت باب مرسمي لأنجز ثورتي الشخصية بين الخطوط والألوان»، يقول.


أسرار تأسيسيّة وشيفرات أوليّة فكها رستم بمفرده داخل مرسمه، فوق المساحات البيضاء. بين الامتلاء والفراغ، تعبُرُ الخطوط والأشكال، الدائرية والمربعة، المستقيمة والمتعرجة. أجساد يبعثر قيس رستم أطرافها وتفاصيلها فتنتصب كبيرة في هذه اللوحة إلى حد الاستيلاء على كل مساحتها، أو صغيرة في تلك اللوحة حتى تكاد لا تراها العين. كأن قيس رستم يذكرنا بأنّ أجسادنا هي بمثابة الإيقاع الموسيقي.
«المسرح والموسيقى كان لهما انعكاس كبير على ألوان لوحاتي، وخصوصاً من ناحية التحكم في الفضاء ومجاراة نسق الريشة وكذلك الإيقاع الحي في كل رسم». وهذا الانعكاس يلمسه زائر المعرض من خلال الوضعيات المختلفة للأجساد المتعدّدة في وحدتها، إذ إنها توزّعت في الألوان بين الملائكيّة والشيطانيّة، بين الآدمية والجنيّة، بين الإنسانية والحيوانية. كأنّها منظومة حسيّة مُبتكرة تُعبّر عن إقامة قيس رستم، في آنه ومكانه.
تفتح لوحات قيس رستم الباب واسعاً على التأويل وقراءة الرسائل المشفّرة التي أراد الرسام إرسالها للمتلقّي، رغم أنّه يسرّ لنا بثقة:«لا رسالة لي من هذا المعرض، كما لم يكن لديّ رسالة من المعرض الذي سبقه». لكنّ اللوحات المعروضة مليئة بالرسائل الجمالية والسياسية. يكسر الرسام كل القيود الممكنة على الأشكال المنتظمة والمستقيمة في الذهن، ويقدمها في تعرجاتها المستحيلة، كأنها ترفض الانصياع لضوابط الهندسة والقياسات وحدود الفضاء. حتّى إنّ بعض اللوحات التي توهمنا بارتفاع القضبان في إحالة إلى السجن. لهذا تبدو اللوحات كأنّها لا توثّق للثورة فقط، بل تحرّض على استكمالها. هذه الثورية الكامنة في أعمال قيس رستم، ليست غريبة عليه كفنان ملتزم. «الرسم التزام يومي مثله مثل الموسيقى والمسرح، غير أن الرسم يفرض عليّ التزاماً مضاعفاً، لأنّي أعبّر من خلاله عن الموسيقى والمسرح معاً».