بعد مشاركتهما في معارض جماعيّة عديدة في لبنان والعالم، يقدم الثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج، معرضهما المنفرد الأول «متى يحين الحاضر: تحية إلى الحالمين». المعرض من تنظيم جمعية «أشكال ألوان» بالتعاون مع ميران أرسانيوس، ويتواصل في «مركز بيروت للمعارض» حتى 20 نيسان (أبريل) المقبل. يقدّم المعرض فرصة أولى من نوعها للتعرّف إلى أعمال الثنائي حاجي توما وجريج بعيداً عن شاشة السينما... إنّها فرص مهمّة لاختبار الحوار ما بين أعمال جديدة وقديمة لهما، تتمحور حول موضوع لطالما شغلهما، ألا وهو دور الصورة، ومراحل صنعها، والمحافظة على الأثر التاريخي فيها، إضافةً إلى دور الخيال والأحلام في تكوين احتمالية سردٍ مشترك اليوم، في بلد تعدّدت فيه الروايات، وكتابات التاريخ.


من هنا تأتي القيمة المضافة للأعمال المعروضة، من ناحية اختيار مكان العرض، أي «مركز بيروت للمعارض»، تلك المساحة التابعة إدارياً لشركة «سوليدير» والواقعة على أرض مستحدثة (بيال)، هذا المجمّع الذي نشأ بعد ردم البحر من أطلال بيروت المهدّمة بسبب معارك الحرب الأهلية. كأنّ «متى يحين الحاضر: تحية إلى الحالمين» بأسره معرض «مضمر» أو «كامن»، أو «مستتر»... وهذه الصفة في الأعمال الفنيّة، شغلت جوانا حاجي توما، وخليل جريج، في جزء كبير من أعمالهما.
عملهما «دائرة الارتباك» يبقى من أهم الأعمال المعروضة، وتفاعلاً مع الجمهور وفضاء العرض. منذ دخولك «مركز بيروت للمعارض»، تستقبلك صورة جوية كبيرة لبيروت، مقسّمة إلى ثلاثة آلاف قطعة، وملصقة على مرآة. يقف الزوّار أمام المرآة، مدعوّين إلى اختيار قطعة من بيروت، لاقتلاعها من العمل، والاحتفاظ بها. لكنّهم سيفاجأون بعبارة «بيروت غير موجودة»، خلف القطعة المنزوعة. وكلّما انتزع زائر قطعة جديدة، انكشفت مساحة المرآة أوسع من خلفها، لتعكس صورة الزوّار والمساحة المحيطة، أي المعرض، «مركز بيروت للمعارض». هكذا، يصير المكان، والجمهور، تماماً كالقطع الباقية من الصورة الأصلية، أجزاءً من صورة بيروت الجديدة، والمتحوّلة. اللافت أنّ موقع عرض العمل، يتيح انعكاس جبل صنين في المرآة، كأنّه استكمال ضروري للبانوراما الجغرافية لبيروت.
اختفاء الصورة (بيروت)، ثم إعادة ظهورها، مراحل لطالما أثارت اهتمام الثنائي حاجي توما ــ جريج في أعمالهما ما بين السينما، والفيديو، والتجهيزات الفنية. لذلك لا بدّ من قراءة «دائرة الارتباك» من منطلق مفهوم «الصورة الكامنة» Image Latente. وهو مصطلح خاص بعالم التصوير الفوتوغرافي، يرمز إلى الصورة غير المرئية، بسبب تعرّض أجزاء من الفيلم للضوء. غالباً ما يبحث صاحبا «بدي شوف» (2008) في أعمالهما، عن شكل ومضمون مختلف لإعادة إظهار الصورة. تصير هذه الأخيرة في طور الظهور مجدداً، في كلّ لحظة تلتقي فيها بالمشهد.
التفصيل الأهمّ ـــ والمرتبط بمكان العرض ـــ يكمن في تاريخ أخذ تلك الصورة الجوية لبيروت، أي عام 1997. علماً بأن مجمع «بيال» افتُتح في عام 2001، ما يعني أنه كمساحة، لم يكن موجوداً في الصورة الأساسية، وأنّه يضاف إلى تكوينها كلّما انتزع متفرّج جزءاً من عاصمة كانت موجودة قبل الإعمار وردم البحر. السؤال المؤرّق والملّح: هل تسترجع بيروت أطلالها المردومة، تلك الأطلال المحملة بتاريخ طمر في البحر، وبحكايات الناس الذين سُلبوا بيوتهم مقابل أسهم رخيصة، صارت اليوم أيضاً جزءاً صورة بيروت الجديدة في بورصة سوليدير؟
المتوجّهون إلى «بيال» للاحتفال بذكرى 14 آذار، مرّوا أيضاً في مرآة العمل. هل التقطتهم يا ترى الكاميرا المثبتة في المكان، والمخصصة لتسجيل مرور الزوار، وتفاعلهم مع العمل، وتعيد من خلال صورهم تأليف شريط فيديو يُبَثّ في الخلفيّة داخل المعرض؟ كلّ هؤلاء وضعهم «دائرة ارتباك» في دور الشاهد، وفي مكانة العنصر المؤلف لسرد مختلف، لتاريخ بيروت وحاضرها.
في المعرض أعمال أخرى قديمة، أنجزها الثنائي خلال تسعينيات القرن الماضي، وأخرى جديدة، تعرض لأول مرة في بيروت. منها تلك المتمحورة حول «مشروع النادي اللبناني للصواريخ» الذي تأسس عام 1960 في جامعة «هايغازيان»، ليستمرّ نشطاً حتى عام 1967. ستجد مجسماً لصاروخ «أرز 4»، وكان تجربةً ناجحة استطاع أن ينطلق إلى الفضاء، ويبلغ ارتفاع 600 كيلومتر. هنالك مجسم مقسّم إلى أقسام عدة من الورق المطوي على الحائط، بشكل أكورديون. وفي كل قسم، تجد الرسم الكامل للصاروخ الخفي. إنّها كناية عن التاريخ والقصص المستترة في تاريخ ذلك المشروع الذي كاد يروح طي النسيان، لولا التفات الثنائي إليه، وإعادة إظهاره «تحيةً للحالمين». وفي أسفل كل قسم، تجد صورة من ألبوم صور عائد للرئيس فؤاد شهاب تظهر العلماء، وأفراداً من الجامعة، عسكريين، يلتقطون الصور أمام «أرز 4». مقابل ذلك المجسم، تجد صوراً التقطها الفنانان خلال محاولتهما نقل مجسم شبيه بـ«أرز 4» من منطقة المارينا في ضبية، حتى «جامعة هايغازيان» في الحمراء حيث هو موجود الآن. تنقل الصور أثر عبور الصاروخ على شوارع المدينة. كأنّه حلم يتجسد في صورة بلد، كانت طموحاته أكبر مما كان سيسمح له بتحقيقه في ذلك الزمان. تتابع جولتك لتقع على الطابع المالي الخاص بـ«أرز 4» محوكاً على شكل سجادة، جرت خياطتها في أرمينيا بطلب من أصحاب «البيت الزهر». هذه إحالة تاريخية أخرى إلى دار الأيتام الأرمن في لبنان. وكانت الفتيات الصغيرات المقيمات فيه يحكن السجاد. وقد أهديت إحدى سجاداتهنّ إلى البيت الأبيض على عهد الرئيس كالفين كولدج في العشرينيات. يوثّق المعرض صوراً ووثائق من الميتم، وصورة لإحدى اليتيمات التي حين كبرت، ذهبت إلى البيت الأبيض، وطلبت رؤية السجادة، والتصور معها. الأعمال تطرح سؤالاً عن سبب عدم إدراج ذاك الخيال، في السرد الجماعي لتاريخنا؟ لماذا نسيناه أو تناسيناه؟

How Soon is Now: A Tribute to Dreamers: حتى 20 نيسان (أبريل) المقبل ـــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال). للاستعلام: 01/1962000




أسهم solidere

يطرح «دائرة الارتباك» لجوانا حاجي توما وخليل جريج أسئلة كثيرة عن فعل التقسيم الذي مارسته الحرب، لكنّه لا يوفّر شركة «سوليدير» أيضاً، ودورها، وخصوصاً بعدما استملكت الوسط التجاري، ثم قسمته، وحولته إلى أسهم. فهل يعي القيمون على «مركز بيروت للمعارض» ذلك؟ أم أنّهم حين استضافوا العمل، وقعوا بدورهم في «دائرة الارتباك»؟ أم أنّهم يقيسون الفنّ أيضاً بقياس العرض والطلب؟