صنعاء | استطاعت صورة خرجت من قلب المستشفى الميداني في «ساحة التغيير» (صنعاء) أن تفوز أخيراً بجائزة «وورد برس فوتو» لعام 2011. الصورة المأخوذة بعدسة المصور الإسباني صاموئيل أراندا، ملأت الدنيا وشغلت الناس بسبب شحنتها العاطفيّة المستترة. الصحف العالميّة سارعت لنشر صورة السيّدة اليمنية المنقّبة، قائلةً إنّها تحتضن أحد أقاربها، إثر إصابته بجروح بالغة، بعد تعّرضه للرصاص والغازات المسيّلة للدموع، خلال مشاركته في مسيرة مناهضة لعلي عبد الله صالح.


«قد لا نعرف أبداً من تكون تلك المرأة التي تحتضن قريبها المصاب، لكنهما معاً، أصبحا صورة حيّة عن الناس العاديين الذين سطّروا بشجاعتهم فصلاً مهماً في تاريخ الشرق الأوسط»، قالت لجنة تحكيم المسابقة قبل أن تسلّم أراندا جائزته. كاد الجميع ينسون قصّة المرأة التي شُبِّهت صورتها بالـ«بييتا» حيث مريم العذراء محتضنة ابنها. لكنّ بعض الصحافيين اليمنيين شُغلوا بقصة تلك المرأة وهويتها. من تكون يا ترى، أمّه، أخته، قريبته، جارته؟ وهل عرفت أنّها تحوّلت إلى أيقونة، وأنّ العالم كلّه يقارنها اليوم برائعة ميكالنجلو؟
فريق من هيئة تحرير إحدى الصحف المحليّة المستقلّة، ومن بينهم كاتب هذه السطور، راح يتتبع مسار الصورة، بحثاً عن صاحبتها، وعن اسم الجريح، أملاً بكشف النقاب عن هويّتهما، ومعرفة مصير الشاب. كانت البداية تتطلب منّا الإمساك بعناصر الصورة الزمانيّة والمكانيّة، كي يسهل التعرف إلى أصحابها. مكان التقاطها معروف، هو «ساحة التغيير» أمام جامعة صنعاء. وتاريخها معروف أيضاً: 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2011. اقترح أحد أعضاء الفريق البحث في سجلات المستشفى الميداني، لمعرفة أسماء الشهداء والجرحى الذين سقطوا في ذلك التاريخ. وعرفنا أنّ مجزرة وقعت في وسط العاصمة أودت بحياة نحو 12 شهيداً، فيما كان عدد الجرحى بالمئات، ما سيعقّد كثيراً عمليّة الكشف عن هويّة الشاب في الصورة. لكنّ آخر اقترح أن نسهل المهمّة على أنفسنا، بإمرار الصورة على الممرضات اللواتي كنّ يخدمن الجرحى في ذلك اليوم، علّهنّ يتعرّفن إلى هويّة الجريح. وهذا ما حصل بالفعل. تعرّفت إحدى الممرضات إلى أصحاب الصورة. فالسيدة التي التي خلّدها أراندا، تدعى فاطمة القوّاس، وهي من المداومات على مساعدة الجرحى في المستشفى الميداني، والفتى في الصورة ليس إّلا ابنها، واسمه زايد القواس، وهو طالب ثانوي، يعمل سائق أجرة لمساعدة عائلته. إنّها أمّه إذاً.
وفي حوار لها مع الصحافي يوسف عجلان، أسرّت القوّاس بأنّها لم تكن المرّة الأولى التي يصاب فيها نجلها خلال الثورة. «كان من الطبيعي أن أراه مصاباً. اعتدت ذلك، إلى درجة أني كنت في كلّ يوم أتوقّع أن يصلني شهيداً». أمّا زايد فكان لحظة التقاط الصورة مصاباً باختناق شديد، ويتألم لجراح يده المكسورة، ولم يدرك أنّ المصوّر الإسباني خطف منه ومن أمّه تلك اللقطة. «كان المكان مزدحماً بالمصورين والجرحى والشهداء. كنت أتألم فقط».
قصة «لا بييتا» اليمنيّة لم تنتهِ عند هذا الحدّ. بعدما كانت مثالاً للتعاطف الإنساني، أصبحت رمزاً للأمهات العربيات اللواتي دفعنَ أثماناً غالية في فورة الربيع الشبابي. وكالعادة، لا يخلو الأمر من مدّعين. خرج أحد الشباب لينسب الصورة إلى نفسه، قائلاً إنّه كان غائباً عن الوعي، ولم يعرف هويّة الممرضة التي حضتنه. وفي حديث لأحد المواقع الإخباريّة، دعا الممرضة إلى «الظهور العلني؛ لأنَّ ما قامت به عمل إنساني كبير، وليس هناك ما يعيب في ذلك (الاحتضان)».