يرفض حنا مينه كتابة مذكراته، فهي مبثوثة في رواياته، كما يقول. سنجد شذرات من سيرته الذاتية في روايته الأولى «المصابيح الزرق» (1959)، استكملها لاحقاً في «بقايا صور»، و«المستنقع»، و«القطاف». شيخ الروائيين السوريين اعتزل الحياة العامة منذ سنوات، لكنه لم يتوقف عن الكتابة. عدسة مكبّرة تضيء طريقه إلى الكلمات بعدما شحّ بصره.


في مكتبه الضيّق، محاطاً بصور غوركي، ودستويفسكي، وتشيخوف، وهمنغواي، وستالين، وسيجارة لا تفارق شفتيه، يستعيد صخب بحرٍ بعيد وطفولةٍ شاقة، ونساء غامضات، وذكريات لا تنضب. إنّه زوربا سوري يختتم رقصته الأخيرة. الروائي التسعيني (1924) سئم الحياة بمكابداتها وبهجتها، وقد كتب وصيته منذ سنتين بأن يُدفن بهدوء، من دون مأتم، متراجعاً عن أمنيته بأن تُكتب فوق شاهد قبره عبارة «المرأة، البحر، وظمأ لا يرتوي».
لا يتوانى صاحب «الشمس في يومٍ غائم» عن ارتياد مناطق مجهولة وشائكة في حياته القاسية بأقصى حالات الواقعية الخشنة. الأب البوهيمي هاجر في الثلاثينيات من القرن المنصرم من لواء إسكندرون إلى اللاذقية، متشرّداً في متاهة ضياع، يفتش عن ملاذٍ آمن من دون جدوى. وسوف يتشرّد الابن في ترحال مشابه، تحت وطأة ظروف مختلفة، إلى أن وصل إلى الصين منفيّاً. حامل الابتدائية كان يكتب الرسائل للجيران، والعرائض للحكومة، إلى أن افتتح دكاناً للحلاقة أمام ثكنة عسكرية في اللاذقية، وموزّعاً لجريدة «صوت الشعب» الشيوعية. سوف نستحضر سيرة البديري الحلّاق الذي كان يكتب «حوادث دمشق اليومية»، لكن كاتبنا كان حكواتياً بحريّاً
بامتياز.
«إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب» يقول. هكذا انخرط صاحب «الياطر» في توثيق صخب الموج، ليدخل البحر إلى فضاء الرواية العربية، مضيئاً منطقة سرديّة بكراً. نص «الشراع والعاصفة» تاه طويلاً. ضاعت المخطوطة ثلاث مرات، ثم أرسلها من الصين إلى صديقه سعيد حورانية، فتاهت مرّة أخرى في البريد البحري بين شنغهاي وبيروت، لتصل بعد ثلاثة أشهر مبللة، «أُنقذت المخطوطة على يد كوّاء قام بتجفيفها على مهل، وطُبعت بعد عشر سنوات من التجوال».
في الخمسينيات، انضم حنا مينه إلى أسرة جريدة «الإنشاء» الدمشقية، محرراً تحت التمرين، مقابل مئة ليرة سورية في الشهر، فاضطر إلى أن يطلب سلفة عشر ليرات من صاحب الجريدة، وما إن حصل على المبلغ حتى توجه إلى مطعم قريب، للتعويض عن جوعٍ متراكم. بضع قصص قصيرة كتبها حينذاك أدخلته النادي الأدبي، فكان واحداً ممن أسّسوا «رابطة الكتّاب السوريين» (1951)، لكنه سوف ينسحب لاحقاً من عضوية «اتحاد الكتاب العرب» الذي تأسس على أنقاض الرابطة، إثر حادثة فصل أدونيس من الاتحاد، ويُصدر بياناً مضاداً لقرار الاتحاد بمشاركة سعد الله ونوس.
الشهرة التي وضعته في مكانةٍ مرموقة، لم تقده يوماً إلى تجاهل تفاصيل حياته المرّة. على العكس تماماً، فقد كانت وقوداً لرواياته، ما انفك يستحضرها مثل تعويذة تحمي روحه من التلف. ويعترف هذا الروائي الرائد بأنّ الكتابة مهما كانت عميقة ومؤثرة، لا توازي تجارب الحياة التي خبرها بكل قسوتها. ذلك أنّ الواقع، كما يقول، «يحفر نقوشه على جلود البشر بأداة محمّاة، تكوي، وتترك آثاراً وندوباً لا تزول».
لعل هذا ما يفسّر انغماسه في نبش آلامه القديمة دوماً، أيام التشرّد والعوز والمطاردة، ليكتب بعنفوان «أفدح سيرة ذاتية عرفتها الرواية العربية، وأحفلها بالصدق الجارح والثراء الفكري»، حسب ما يقوله صلاح فضل. في «المستنقع»، الرواية التي سرد خلالها ملامح من طفولته في لواء إسكندرون، صورة مشابهة لبؤساء فيكتور هوغو. متحف بشري للألم والشقاء والفقر. لعل هذه الحقبة من حياته هي التي ألهمته أن يجيب أحد أساتذة الفلسفة حين سأله «دكتور حنا، ما اسم الجامعة التي تخرّجت منها؟» متهكّماً «جامعة الفقر الأسود».
في أوائل الثمانينيات، أطلق صيحته الشهيرة «ستكون الرواية العربية ديوان العرب في القرن الحادي والعشرين». بدت هذه النبوءة حينذاك مجرد صيحة في واد. التقط النقّاد الفكرة، وانتشرت مقولة «زمن الرواية» على نطاقٍ واسع، وإذا بجيل جديد يبزغ في المشهد الروائي العربي. بعض هؤلاء عاجل إلى «قتل الأب»، لكن روايات حنا مينه ظلّت في مقدمة أكثر الكتب مبيعاً، وإن لم تضاه أعماله الأخيرة، منجزه الأول.
في رصيده اليوم نحو أربعين رواية، قد تتفاوت قيمتها التخييلية، وأهميتها السردية، لكن يكفيه أنه وضع الحجر الأساس لهذه العمارة الشاهقة. شخصيات مثل «زكريا المرسنلي» في «الياطر»، و«الطروسي» في «الشراع والعاصفة»، و«مفيد الوحش» في «نهاية رجل شجاع»... نماذج حيّة عن اشتباك التخييل الروائي بالتجربة الحياتية. ليس النموذج ما يبتغيه حنا مينه في رواياته، فهو يؤكد على الصدق أولاً. لعل هذا ما وضع رواياته في مقام الأدب الشعبي، وإلا ما تفسير ذلك الطابور الطويل من القراء الشباب في معرض دمشق الدولي للكتاب، كل عام، في انتظار أن يوقّع حنا مينه نسخهم الشخصية من رواياته؟ يعلّق صاحب «الثلج يأتي من النافذة» قائلاً: «لطالما حرصت في كتابة الرواية على عنصرين أساسيين هما: الإيقاع والتشويق من جهة، وتوفير المتعة والمعرفة من جهةٍ ثانية. هذا هو السر ببساطة»، ويتابع «على الروائي أن يختبر بيئته جيداً، فالرواية لم تعد مجرد تسلية ووجبة من المواعظ الأخلاقية».
هكذا يختزل المسافة بين الرواية والسيرة الذاتية، معوّلاً على مفارقات الحياة وحماقاتها وطيشها، إذ يرى ضرورة إماطة اللثــام عمّا هو مسكوت عنه، على هدى ما كتبه الأسلاف منذ قرون. ويلفت إلى جرأة محمد شكري في «الخبز الحافي» بوصفها نموذجاً غنيّـــاً في كتابة السيرة. عدا ذلك «لا تكون المدوّنات الشخصية معبّــرة عن الحقائق» يقول. التسعيني النزق والمغامر والشجاع، يبدو زاهداً وضجــراً اليوم، غير عابئ بالأوسمة والجوائز التي حصدها خلال مسيرته الطويلة، فمهنة الكتابة كما يصفها «مهنة شاقة وطريق إلى التعاسة
الكاملة».




5تواريخ


1924
الولادة في اللاذقية، سوريا

1959
صدور روايته الأولى «المصابيح الزرق»

1992
جائزة سلطان العويس للرواية (الدورة الأولى)

2010
جائزة محمد زفزاف للرواية ـــ مهرجان أصيلة (المغرب)

2012
نقل روايته «المصابيح الزرق» إلى التلفزيون، مع المخرج فهد ميري، و«الشراع والعاصفة» إلى السينما بتوقيع المخرج غسان شميط