كتب جان جينيه نصّ «الخادمتان» عام 1947. منذ ذلك الحين، ما زال يشغل المسرحيين، ويعرض على خشبات المسرح حول العالم. كان جواد الأسدي أحد روّاد المسرح العربي الذين وقعوا في سحره. قدّمه في بلدان عدة، وفي لبنان، أنجز عنه عرضين مختلفين. في عام 1995، مسرح «الخادمتان» على طريقته للمرة الأولى وعرضه على خشبة «مسرح بيروت» (المغلق حالياً).


يومها أدّت دور الخادمتين كلير وصولانج الممثلتان اللبنانيتان رنده الأسمر وجوليا قصار، في حين أدّت دور السيدة الممثلة المخضرمة رينيه ديك عن نصّ جينيه المترجم إلى العربيّة بجهد حنان قصّاب حسن. وفي مناسبة الاحتفال بمئوية جان جينيه (1810 ـــ 1986)، أعاد الأسدي مسرحة «الخادمتان» في نسخة ثانية عرضها على خشبة «مسرح بابل» عام 2010. في الطبعة الجديدة، اختفى دور السيدة من الرؤية الإخراجية، لأنّ «ما من أحد يمكنه أن يأخذ دور رينيه ديك في دور السيدة»، كما قال المسرحي العراقي في إحدى المقابلات. أمّا الخادمتان، فقد أدّت دوريهما الممثلتان كارول عبود وندى بو فرحات. اليوم يستعيد الأسدي نسخته الثانية من «الخادمتان» على خشبة «بابل»، في عروض تستمرّ حتى 8 نيسان (إبريل) المقبل. غياب السيدة كشخصية عن الخشبة، أضفى بعداً درامياً شبيهاً بسيطرة شبحها على العرض، كما أبرز العلاقة المعقدة التي تبنيها الطبقات الاجتماعية في ما بينها. وبيّن المازوشية الكامنة في شخصية الخادمتين، وأظهر ضعفهما وترددهما أمام قرار الخروج من الحضيض. جعل المخرج من غياب السيدة وسيلةً لمحاكاة تحوّلات الراهن، في زمن لم يعد هناك ملك أو سيد، أو ديكتاتور محدّد لتثور عليه. لقد تحوّل السيد إلى نظام متكامل لا ينتهي مع رحيل الرأس فقط. هكذا وجدت الخادمتان نفسيهما في مواجهة شبح السيدة، عاجزتين عن قتلها. عجزهما هذا سيقودهما إلى الانتحار. هل السيدة هي صوت القطار الآتي من بعيد؟ هل هي معطف الفراء، أم الكعب العالي الذي تنتعله كلير عندما تريد أن تلعب دور السيدة؟ أم مساحيق التجميل، والمروحة، والشعر المستعار؟ إنّها كل تلك الأشياء، لأنّها أصبحت موجودة في تفاصيل عالم الخادمتين، وتسرّبت حتى إلى خصلات شعريهما وثيابهما الممزقة.
في النسخة الأولى عام 1995، لجأ الأسدي إلى خيار سينوغرافي. جعل المسرح كلّه غرفة للسيدة، محاطة بالخزائن والثياب والمجوهرات، كأنّه غرفة خشبية مغلقة. الغرفة فسيحة، لكنّها تشعرك أنّ العالم ينتهي داخلها. هذه المرّة، تخلّى الأسدي عن واقعيّة الخيار الأوّل من خلال خلق فضاء جديد ضيّق تحت غرفة السيّدة، ألا وهو مساحة الخادمتين السفلية. هو الحضيض الذي عايشه جان جينيه في مسرحه، وحياته. وقد اختار صاحب «حمام بغدادي» تجسيده من خلال ذلك الانزلاق الطفيف في سطح المسرح. وكما نزل جينيه إلى عالم الخدم، كذلك تفعل الخشبة في سقوطها من غرفة السيدة إلى مساحة الخدم. هذا ما أدى إلى إضافة توتر متواصل على العرض من خال الجهد الذي تبذله الممثّلتان في المحافظة على توازنهما على الخشبة المائلة، وهما تتأرجحان بين العلوي والسفلي. ضيق المساحة، وصوت طنين الحديد، واستبدال أزياء الخدم المرتّبة بثياب رثّة ممزقة، كلّها عناصر أسهمت في تقريب النسخة الجديدة من عوالم جينيه.
أما في النص، فكان طبيعياً حذف بعض المقاطع مع غياب دور السيدة. عدّل الأسدي النصّ، ومزج فيه بعض العبارات العاميّة. خيار اتّخذه منذ النسخة الأولى، لكنّه تبلور أكثر في النسخة الحالية. واستطاعت الممثلتان، عبود وبو فرحات، أن تتبنّيا ذلك الخيار وتوظّفاه في خدمة انزلاقهما إلى المساحة السوقية من العرض، من دون أن يتّخذ ذلك شكل الكولاج السطحي الذي اعتدناه في مزج اللغات واللهجات في المسرح اللبناني. 

«الخادمتان»: 8:30 مساءً حتى 8 نيسان (إبريل) المقبل ـــ «مسرح بابل» (الحمرا/ بيروت). للاستعلام: 01/744033، 01/744034




أختان... وأربع ممثلات

خيارات جواد الأسدي مبنيّة دوماً على الإيمان بالممثل، الحامل في جسده وصوته شخصيات مسرحية واضحة. مع اختلاف الممثلات الأربع اللواتي توالين على أداء دوري كلير وصولانج في «الخادمتان»، يبقى الدور الأبرز للأداء القادر على تجسيد تلك التصاعدات العاطفية التي ترمي الشخصيتين من أعلى المجد إلى أسفل الحضيض. عملت كارول عبود وندى بو فرحات على تجسيد تلك العلاقة الشائكة بين الأختين اللتين تكنّان الحب والكره، إحداهما للأخرى. وبين نسخة 1995 والنسخة الحالية، تركت كلّ واحدة من الممثلات الأربع بصمتها على الشخصيات، من رنده الأسمر وجوليا قصّار، إلى كارول عبود وندى بو فرحات...