تبيان عثرات لبنان هو موضوع مسرحية بيتي توتل «مسرح الجريمة» التي تعرض على خشبة «مسرح مونو». الإنسان ألعوبة اللحظة، والوجود هباء في لحظة من لحظات بيروت المتفجرة. تضيء «مسرح الجريمة» على واحدة من الجرائم المتوهمة في بيروت. انفجار يودي بامرأة تسعينية، نتبين في نهاية المسرحية أنّها سعاد كريم. المدخل إلى الجواب على المسرحية، هو فوضى بيروت، إثر كل تفجير. لا فلسفة، مع بيتي توتل. الموضوع هو الحياة. إلا أنّ توتل التي تروي حكاية فرنسي من أصل لبناني يجري بحثاً عن الصالات المسرحية في لبنان، ويقع في فخ الاتهام بالجريمة، تتقدم بالكثير من الصحة والمواربة والنسبية، إلى إعادة العقل وتثقيفه بالتفكر في المسرح باللغة الفرنسية. المسرح الفرنكوفوني. الكثير من شخصيات المسرحية تطرح إشكاليات اللغة بلحظاتها الحضارية. فرنسي من جذور لبنانية. لبناني لا يشخص حضوره إلا من خلال اللغة. قاطن في شارع مونو ينزه كلبه، لحظة الانفجار، وإذاك يصبح متهماً بالتفجير. لن يبرئ هذا توتل من محاولات إنعاش مسرح عصر معيّن، انتهى حضوره وفاعلياته، إثر هزيمة عام ١٩٦٧. طرح ذلك سؤال اللغة لأنّ اللغة ضمير وواحدة من عناوين يُسر الحياة واستعصائها في المسرح. الشكل لا كما تراه. الشكل منتج، تراكم التجارب، واللغة هي على رأس التراكمات. لا بأس. ذلك أن لا مظاهر تعظيم للغة على حساب لغة أخرى. غير أنّ لا تحرر. غياب التحرر يؤدي إلى الوقوع في المسبقات. هذه واحدة من مثالب المسرحية لأن اللغة فيها، وميلان المخرجة إلى اللغة الفرنسية، عمَّر مسرحاً، لن نتردد في أن أطلق عليه تسمية «مسرح اللياقات الاجتماعية» (كوميديا الموقف كما تقول توتل) لأنّ موقفه، موقف من أمور الحياة، واللغة في المقدم.
لا حركات نقل هنا. لن تفقد اللغة عبقريتها وخصوصيتها، من جراء قوتها على استيعاب التحولات والمتغيرات. بيد أنّ جوهر التفكير، تفكير في المسرح، حيث لا أضداد عند بيتي توتل، حين تبعت مسارها الخاص في مسرح اعتمد النقد الاجتماعي بلهجة مهذبة. لا تنكر توتل ذلك لأنها لا ترى مسرحها خارج المقومات هذه. مسرح اجتماعي إنساني، يعبر عن الجماعة من خلال قوى الفرد وقدراته. أول المطاف، آخر المطاف عندها. الواقع والمعنى. الواقع على المعنى، في سعيهما المشترك إلى كتابة فودفيل نظيفة. لا مبالغة. لا تشبيح ثقافياً. وثوق كامل بمسرح المفارقات والمصادفات... العنصران الأساسيان في فن الفودفيل، أبرز مسارح فترات الفوضى في لبنان (منذ «عريسين مدري من وين» لمروان نجار). فوضى وأقدار وألغاز ومفارقات. التاريخ هو الحركة اللامتناهية نحو التطابق. تطابق بين الفوضى الساخنة في الحرب الأهلية والفوضى الباردة في المرحلة هذه.
تكتب توتل النص عبر ملئه بالإخراج. الأخير هو تفكيك بسيط للنص البسيط على منصة، لا تدعي إحياء الصنف من خلال تحديثه. تراث المسرح هذا حري به دوماً. لا تراث آخر يغزوه لأن اصطلاحاته وأقواله تجعل الإخراج ضريراً أمامها وأمامه. حركة نقل، لن تلبث بعدها أن تحضر حاضرة المسرح، على ما هي عليه، بالنقل أو بالاقتباس. يفرطُ التنظيم المجتمعي إثر الانفجار. لن يلمَّ فوضى الانفجار، إلا فوضى المسرح. فوضى الفودفيل.

أعمالها تعكس شغفها الدائم بالحكواتي وتجربة روجيه عساف
ثمة عنف جسدي كامن في المسرحية. ثمة عنف روحي بعد اتهام النظام (المخفر) الناس بممارسة سياسة ترمي إلى إسقاط النظام. يُجَّر هؤلاء كالغنم إلى المخفر، حيث يتحولون إلى شعب مثار، لا إلى شعب ثائر. واحدة من نقاط الضعف في المسرحية: وضع علم الاجتماع اللبناني في موقع الخصم لعلم الاجتماع الفرنسي، إذ تجزم المسرحية بأن المجتمعات الأوروبية أوفى لمواطنيها في حال وقوعهم في المطبات والأزمات. تعتبر فرنسا أن مواطنها أسير حرب في لبنان. هنا تحقق المسرحية مخططها، بعد وضع المواطن الفرنسي في مواجهة المواطن اللبناني، فيما لو وقع اللبناني في موقع الفرنسي، حيث خرجت تظاهرات في فرنسا تطالب بإطلاق سراحه من أسر الإرهاب، ما يستدعي تركيب بث مباشر في المخفر، لتأكيد أن الفرنسي ضيف لا أسير. لن تبدل حيلة الإخراج ظروف العرض. تقوده ابتداء من هذه اللحظة إلى فوضى تتحكم بالمسرحية، حتى اللحظات الأخيرة. ضعف المخيال هنا، يؤدي إلى موت احتمالات الجدل في المسرح (ترافع بيتي توتل عن ندرة وجود المسارح في بيروت. ترافع بلا جدوى لأنّ المسرح غير موجود في المخطط التوجيهي الأول للمدينة «أوربانيسم المدينة»). كل مجادل ثري. سوف تثرى المسرحية، لو أن الحيلة أدت إلى ترجمة حضورها بالجدل المثري. خسارة. الخسارة من إصرار توتل على الكتابة والإخراج. صوتان يسجلهما علم السوسيولوجيا في باب أحلاف الاختلاف. فكران، يتبين الواحد والآخر ــ كل على ضفته ــ إمكان عدم بلوغ المثال، إلا إذا قام اللقاء بينهما على بهجة اللقاء لا على ضرورته فقط، لأن بلوغه موت. لحظة الكلام عن ردود الفعل الفرنسية على «اختطاف» المواطن الفرنسي، توقع المسرحية في الكليشيهات. كليشيهات نحن وهم. هم الأفضل، الأكثر إنسانية، الأكثر تشبثاً بالهوية. نحن الأسوأ، البلا إنسانية حين نلقي القبض على عاشقين في موقف سيارات، يتبادلان القبل. هناك أيضاً مسؤولة الموقف، ومنزه كلبه والمختارة. أما الدركيان فانكشاريان. لا شيء سوى النواح على لبنان بصوت خفيض، يزداد انخفاضه، حين تحول الفودفيل اللبناني إلى هرجة عالمية، لا تهدف إلا إلى تلميع صورة الوطن المنهوب بالأحداث الأمنية والاقتصادية. هرجة أقل تنظيماً من عمليات قطاف الزيتون. ذلك أن الممثلين، يضحون أشبه بنباتات برية في حقل غير محروث. لحظة موت الشكل. تتداخل الأصول في المسارات، بحيث تتعفف الأولى عن الثانية والثانية عن الأولى. لا شكل في المسرحية في كل الأحوال، لأن شكلها لا يدور على ثابت محدد في أنطولوجيا المسرح (تماماً). لا بأس، ذلك أن بيتي توتل لا تدّعي إحداث ثقب كوني في مجرة المسرح. تقيم مسرحها على التوازن، بين النص والإخراج. حضور هذا على حضور ذاك وظل ذاك على ظل ذَاك، من دون أن تتعفف عن تأكيد أن وحدة المسرحية هي بطل المسرحية. بطولة المسرحية هي بطل المسرحية، لا أبطال المسرحية، لأنهم رسل العلاقة الخلاسية بالمسرح. رحى تريد الانقلاب على توازن المسرح من دون نجاح. يحسب هذا لبيتي توتل المعمّدة أعمالها بشغفها الدائم بالحكواتي وتجربة الحكواتي (روجيه عساف). هذا هواها. يظهر ذلك في الروايات الكثيرة في «مسرح الجريمة» وتكرار حركة صعود الممثلين على سرير المخفر كي يمثلوا على اشتهاء الإخراج القبض على روح الحكواتي من بطنه لا من روحه.
ثمة صراخ في الكثير من اللحظات. هكذا بدا بعض الممثلين في وضع المريض. صراخهم نوع من أنواع الدفاع المبطن. لا لحظات شعرية في «مسرح الجريمة» كبعض لحظات الشعر في المسرحية السابقة «١٠٤٥٢». ولا لحظات قوة تنتفع المسرحية كلية أو جزئياً منها كما في «أيام بتسوى فرانكو». ما نحبّه في بيتي توتل أنّها تتقدم إلى كل مسرحية جديدة، قويمة وصافية كأنها في بدء عالم المسرح. لا تزال تبحث عن زهرتها الذهبية، ولا نزال ننتظرها.

«مسرح الجريمة»: حتى الغد ـــ «مسرح مونو» ــ للاستعلام: 01/202422