في المجلّد الرابع من عمله الموسوعي «سيرة المسرح ـــــ أعلام وأعمال»، يصل المسرحيّ اللبناني إلى عصر «الباروك». الكتاب الصادر حديثاً لدى «دار الآداب» بدعم من «الصندوق العربي للثقافة والفنون»، يمثّل فصلاً من سبعة عشر يقدّم فيها المؤلف جدولاً تاريخياً للمسرحيين وأعمالهم منذ العصور القديمة حتى عام 2000. يستكمل روجيه عسّاف (1941) استخراج كنوز المسرح، وتقديمها مسبوكةً إلى القارئ العربيّ.

في المجلّد الرابع من موسوعته «سيرة المسرح ـــــ أعلام وأعمال»، يتوقّف الممثل والمخرج اللبناني عند مسرح عصر الباروك baroque، بعدما تناول في المجلدات الثلاثة السابقة المسرحَ في «العصور القديمة» (الآداب ـــ 2008) و«القرون الوسطى» (الآداب ـــ 2009) و«عصر النهضة» (الآداب ــــ 2010).

كنا قد اعتدنا تداول كليشيهات محدودة عن الفن الرابع في زمن الباروك. أما اليوم، فإن صاحب «بوّابة فاطمة» (2006) يفتح لنا باباً واسعاً لولوج عوالم المسرح في تلك المرحلة. يخبرنا عسّاف أن مسرح عصر الباروك (1585 ـــ 1650)، الممتد بين حقبتَيْ المسرح النهضوي والكلاسيكي، شهد تفوقاً عن سابقه ولاحقه لجهة التعدّد والتنوّع.
قد يكون الباروك امتداداً وتجديداً للإبداع النهضوي، إلّا أنّه لا يمهّد على الإطلاق للحركة الكلاسيكية التي تلته، بل يتناقض معها على نحو عميق. لماذا؟ يبدو الجواب بديهياً عندما نعرف أنّ الزركشة والتزويق والزخرفة، سمات ميّزت مسرح تلك المرحلة، على حساب المضمون. هكذا، وُضعت المسرحيات بالآلاف، وعُرضت أمام جمهور متلهّف ومتحمّس لهذه الحركة الفنية التي «لا خواصّ لها سوى عدم الانتظام وغياب الأصول». ازداد عدد الكتّاب على نحو هائل، بل صرنا نشاهد ورش كتابة جماعية، وفرقاً تمثيلية جديدة، ومقاولين يستثمرون في المسرح. كل هذا «الفوَران» كان سعياً إلى استيعاب الاهتمام الشعبي بالمسرح في ذلك الوقت. كانت الخشبة مرتهنة بالنفسية الجماعية للأوروبيين.
يعود بنا «الحكواتي» إلى التاريخ، ليخبرنا أن فترات تبرعم وازدهار وذبول الباروك، لا يمكن فصلها عن التغيرات الاجتماعية التي شهدها الأوروبيون آنذاك، كالحروب الدينية (حرب الثلاثين عاماً) والفتوحات العلمية (اكتشافات كوبرنيك وغاليليه)، لكنّ عساف الحائز جائزة «الأسد الذهبي» للمسرح في بينالي البندقية عن مجمل أعماله (2008)، يرفض أن يصف عمله بالكتاب التاريخي. يؤكد أنّه جدولٌ يحاذي الزمن، ويرصد التجارب المسرحية من خلال قراءات وتحليل لما كان يعرض على الخشبات من أعمال. قد تتفاوت مساحة هذه القراءات حسب أهميّة التجربة المتناوَلة (تحتل أعمال شكسبير وحدها أكثر من ثلث الكتاب)، إلّا أن الخطّ البياني الذي يسير فيه المؤلف لا يحيد عن السلاسة والإتقان والإدهاش.
كان عسّاف قد صرف عامين في التجهيز لموسوعته، وفي البحث عن الأسلوب الأمثل لتناول سيرة المسرح. خلص إلى هذا الشكل الذي يتفرّد به، ليس على مستوى لغتنا فحسب، بل على مستوى التدوين لسيرة الفن الرابع في العالم أجمع. يمكننا هنا الرجوع إلى كل الموسوعات التي حاولت «تأريخ» أو «كتابة سيرة المسرح»، في أوروبا (آخرها وُضع في الستينيات بحسب عسّاف). سنجد أنّ جميعها تعاني ما تعانيه من انتقائية (كتجاهل المسرح العربي وغيره) أو عدم توازن. إذن، يمكن وصف «سيرة المسرح» التي ينجزها صاحبنا بالمرجع الأفضل في هذا الوقت. يبدو عسّاف فيها كأنّه يكتب للجميع، للمبتدئ وللمخضرم، كما يبدو أنه يريد إفراغ كل ما في جعبته. نلحظ ذلك عندما يفاجئنا بتخصيص هوامش واسعة يورد فيها أسماء أهمّ ممثلي ومخرجي ومهندسي، وحتى مقاولي مسرح الباروك، بل يزوّدنا أيضاً ملاحظات لم نعتدها في السيَر المسرحية، كتعداد الاقتباسات من الباروكية في المسرح العالمي المعاصر.
ينقسم الكتاب إلى جزأين: زمن المسرح الإليزابيثي في إنكلترا، وزمن العصر الذهبي في إسبانيا. صحيح أننا قد نعرف الكثير عن مسرح شكسبير الذي يُعدّ أيقونة ذلك العصر، إلا أن تجربة هذا الأخير، بالتأكيد، لن تمثّل الباروك في إسبانيا، كما فعلت في إنكلترا. هكذا، يصطحبنا مخرج «خيمة كركوز» (1974) في رحلة إلى عوالم الفن الرابع في بلاد الأندلس.
يمهّد لنا عن سيرة المسرح هناك، ثم يعرّفنا بأهمّ المسرحيين، مثل لوبي دي فيغا وكالديرون دي لاباركا. هذان الاثنان، إلى جانب شكسبير، يمثلون أهمّ الأعمدة الرافعة للباروك الأوروبي، لكن ماذا عن «المغمورين» (على الأقل في زمننا الحاضر)؟
لا يتجاهل عسّاف هؤلاء، بل يحاول أن يعيد إليهم حقّهم الذي افتقدوه طيلة السنوات الماضية في المدوّنات المسرحية العربية، وحتى العالمية. هكذا، سنعرف فيليب ماسنجر، وجون فورد، وروخاس زوريلّا، وغيلن دي كاسترو، وغيرهم من أصحاب التجارب في ذلك الزمن.
إلى جانب هذا، يولي مؤسّس مسرح «دوّار الشمس» أهميّةً للأنواع والأشكال المسرحية الباروكية.
يقرأ عساف هذه الأنواع ــ فنياً وتاريخياً ــ ويعود بنا لنعرف أسباب نشوئها ثم ازدهارها قبل زوالها في إنكلترا.
تنبع «الدراما التاريخية» من شعور وطنيّ متحمّس صادر عن الاعتقاد الشعبي بأن بريطانيا العظمى لا تقهر، بينما تتأتى «الكوميديا الرومانسية» من اندماج الرعويّات الشعرية والكوميديا الإيطالية وقصص الحب والفروسية في فنّ واحد.
أما في إسبانيا، فتنشأ «الكوميديا الجديدة» بفضل التجارب الميدانية للوبي دي فيغا، فيما لا تتعدّى «الفصول الدينية» كونها ذريعة للكنيسة الكاثوليكية في حملتها التبشيرية. وأخيراً، تأتي «الفواصل الهزلية» التي ليست أكثر من مقاطع كوميدية قصيرة مستلهَمة من الواقع الاجتماعي.
بهذا، يكون روجيه عساف قد أنهى شوطاً جديداً من مهمّته التي قطعها على نفسه.
اشتغاله على تدوين سيرة المسرح ليس بالأمر السهل. إنه تحدّ صعب، وخصوصاً في تدوين المسرح القديم. ذلك أن العرض المسرحي يتصف بالفناء، ولا دوام له مع الوقت. الأمر الذي يفرض جهداً مضنياً على من يريد كتابة سيرة مسرحية رائعة كهذه.




يوقّع روجيه عساف كتابه عند السادسة من مساء اليوم في «مركز دوّار الشمس الثقافي» (الطيونة/ بيروت)، بدعوة من «دار الآداب» وجمعيّة «شمس»، بالتعاون مع السفارة الإسبانيّة و»مركز ثرفانتس الثقافي» و»المجلس الثقافي البريطاني» للاستعلام: 01/381290