تعود أزمات التأريخ إلى المربع الأول بعد الخلاف الذي أثاره كتاب التاريخ المدرسي. في كتابه «التاريخ وكتابة التاريخ في لبنان خلال القرنين التاسع عشر والعشرين: الفهم الذاتي للتاريخ أشكاله ووظائفه» («المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت» 2012 ـــ تعريب جورج كتورة) يسلط الباحث الألماني أكسيل هافمان الضوء على أبرز الإشكاليات التي طاولت معضلات تاريخ لبنان على امتداد قرنين. لا يحاول الكاتب في أطروحته تقديم دراسة توثيقية فحسب، بل يعتمد أيضاً على مناهج علميّة مختلفة، من بينها الاستقراء وتحليل المضمون، ما جعل أفكاره حيادية في معالجته أحد أكثر الموضوعات تعقيداً. يحدّد هافمان الحاصل على رتبة الأستاذية من «جامعة برلين الحرّة» الأسس النظريّة لكتابة التاريخ، وينتقل إلى الشروط المحيطة بكتابة التاريخ في لبنان. وقبل أن يتدرّج إلى تصنيف مؤرخي لبنان، يقدم مادّة توثيقية عن انتشار الجامعات والصحف والمدارس. قسمت الأطروحة إلى أربعة أقسام أساسية، والفرضيّة الأهم التي طغت على مفاصلها هي التلاحم الوظيفي بين الإيديولوجية وكتابة تاريخ لبنان. وهنا يخلص هافمان إلى عدم توافر مادة تاريخيّة أو دراسة متماسكة.


خاصّيتان سيطرتا على تعرّجات التاريخ اللبناني: خصوصيّة الهوية المحلية، وربط تاريخ لبنان بمجاله القومي والإسلامي الأوسع. التأريخ للهوية كان الأسبق، ومعه بدأ المؤرّخون الموارنة استنهاض الهمم لكتابة تاريخهم بمعزل عن الشريك الآخر، ما زال هذا الاتجاه سائداً حتى الآن. ثمّة مفصل أساسي تحكّم في غالبية المؤرّخين هو «صراع الهوية والانتماء»، بين موضعة لبنان في العروبة والإرث العربي، وفصل لبنان عن محيطه بذريعة خصوصية الهوية التي كتب عنها المؤرّخون الموارنة على نحو خاص.
يختار الكاتب مجموعة من المؤرّخين في كلّ حقبة قام بدراستها، إلى أن يصل إلى الاتجاهات التاريخية الناشئة بعد الحرب الأهلية، التي أعاد جزء منها المعركة المستدامة بين الخصوصية والعروبة. كمال الصليبي، ووجيه كوثراني، وأحمد بيضون، ومسعود ضاهر، وعباس أبو صالح، وجان شرف وغيرهم من المؤرخين المعاصرين عملوا على إيجاد طرق بديلة من أجل علم تاريخ جديد، لكنّ جزءاً منهم وقع في الخطاب الإيديولوجي لا الطائفي، سواءٌ في استخدام المناهج أو كيفية قراءة تاريخ لبنان، إذ لجأ بعضهم إلى الرؤى الماركسية أو القومية لتفكيك التاريخ وإعادة تأويله، فوقعوا في متاهات الكتابة الإيديولوجية. يعتمد الكاتب على الكرونولوجيا وعلى تحليل الكتابات التاريخية على اختلاف ميولها على نحو نسقي، من حيث المضمون والتعاقب الزمني، ما أدّى إلى تسهيل عملية تصنيف المؤرخين اللبنانيين في المرحلة المدروسة، الممتدة إلى حوالى قرنين تقريباً، كما أن الكاتب أجرى مقابلات مع بعض المؤرخين المعاصرين، من بينهم كمال الصليبي، وأحمد بيضون، ووجيه كوثراني، وخالد زيادة، ومسعود ضاهر، ومنير اسماعيل، وفواز طرابلسي، وبطرس لبكي.رغم أن أطروحة أكسيل هافمان تنهض على الكتابة الذاتية للتاريخ وفهمه في مرآة المؤرخين اللبنانيين، إلّا أن القارئ يشعر أحياناً بأن الإشكالية الأم تفلت من يده... لكن أهمية الكتاب أنه رصد رصداً دقيقاً التورخة الإيديولوجية/ الذاتية في تعاقبها الزمني.