سمعنا موسيقى نديم مشلاوي (١٩٨٠) في أفلام وثائقية لمحمد سويد، وفي «رصاصة طايشة» لجورج الهاشم. وها هو يقدم فيلمه الوثائقي الأول «القطاع صفر» الذي يصفه بأنّه شريط استكشافي للزوايا المظلمة في ذاكرة لبنان الجماعية. في هذا الشريط الذي شاهدناه ضمن «مهرجان شاشات الواقع»، يدخل مشلاوي بكاميرته إلى «الكرنتينا»، تلك المنطقة التي بني فيها مركز الحجر الصحي خلال العهد العثماني. ينطلق الوثائقي من مركز الحجر الصحي، إلى المسلخ، مروراً بغيتوهات الأقليات التي سكنت المنطقة، وصولاً إلى معمل الحديد والدباغة.

تأخذ الصورة حيزاً مهماً بوصفها أحد العناصر المكوّنة للفيلم في أسلبتها وتفاصيلها. رغم التنقل من مكان إلى آخر، إلا أنّ المخرج اختار البحث عن تفاصيل جمالية في تلك المساحات المهجورة، حتى في قبحها أحياناً، مما جعل من الشريط مادة تجريبية مثيرة للاهتمام، تعتمد على تركيز الكاميرا Focus وإبعادها، لتتكون لغة مشهدية خاصة بالفيلم، حاملةً توقيع المخرج، ومدير التصوير طلال خوري وتوليف نديم شرتوني. وقد ساعدت الموسيقى التي ألّفها مشلاوي على الارتقاء بالصورة إلى مصاف لوحة شاعرية قاتمة للتاريخ والذاكرة اللذين تحملهما. وتترافق الصورة مع مقابلات أجراها المخرج مع شخصيات عدة منها المعماري برنار خوري الذي تحدّث عن موقع الكرنتينا في المدينة، ونمو الأطراف وتطورها بموازاة وسط المدينة. كذلك يقدم قراءته الخاصة بمشروع «سوليدير». أما الكاتب حازم صاغية، فينطلق من تسمية «عرب المسلخ» التي أطلقت على البدو الذين سكنوا الكرنتينا وعملوا في المسلخ، ليغوص في مفهوم استبعاد الآخر في المجتمعات اللبنانية، والبنية الطائفية والمذهبية للبلد التي يقف عائقاً أمام قيام الدولة. ومع الفنان سيراغ ديرغوغاسيان، نعود إلى تاريخ وصول الأرمن الهاربين من المجزرة التركية إلى الحجر الصحي، ثم عملهم في المسلخ، إلى أن بدأوا بناء بيوتهم الصغيرة. تلاهم الفلسطينيون بعيد النكبة الذين انضموا إلى الأرمن والأكراد، إضافة إلى تجار من تركيا والعراق، والأردن... هكذا، شكّلوا نسيجاً فريداً من الأقليات. ونتابع الشهادات والمداخلات حول الحرب الأهلية التي مرت على الكرنتينا بين الكتائب اللبنانية والفلسطينيين والحركة الوطنية، وآثارها على المنطقة وأهلها.
أما الأكاديمي واختصاصي علم النفس العيادي شوقي عازوري الذي يتحدث طوال الفيلم، فيقودنا في رحلة تحليلية نفسية تنطلق من مفهوم المحرم و«التوتيم» في المجتمعات البدائية، إلى نزعة قتل الأب، واستبدال السلطات الذكورية... وصولاً إلى قراءة لواقع وتاريخ منطقة الكرنتينا ولبنان.
يبقى «القطاع صفر» غنياً بتفاصيله، لكن ما يضعفه تبنيه توجهاً أشبه بمحاضرة أكاديمية، مما أوقعه في رتابة تشوبها بعض لحظات المبالغة في التحليل. لكنّ الفيلم تجربة أولى جريئة خاضها مشلاوي مع حرص على التفاصيل، وبشاعرية تعد بالكثير.