أبوظبي | لم يخف ابراهيم الكوني خشيته مما يحدث في الوطن العربي. لقد تحوّل الربيع الى صيف طويل يُنذر بمزيد من القمع والانحدار و«ما حلمنا به من تغيير كان للأسف من سيئ الى أسوأ. الثورات العربية لم تجلب السعادة الى البسطاء الذين صنعوها، بل سُرقت منهم من أجل تأبيد أنظمة جديدة بآليات القمع والاستبداد نفسها» هكذا قال الروائي الليبي الذي كان نجم «معرض أبوظبي الدولي للكتاب». الروائي الذي ولد في واحة غدامس في ليبيا عام 1948، كان له لقاءان مع جمهور المعرض. الأول ضمن «مجلس الحوار» قدّمه الكاتب الجزائري خالد عمر مساء الجمعة الماضي، والثاني يوم السبت ضمن «تواقيع» حيث وقّع كتابه الأخير «جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة» (دار الصدى ـــ دبي).


خلال اللقاء الأول، استشهد صاحب «المجوس» بما قاله جورج دانتون أحد رموز الثورة الفرنسية بأنّ «من يجني ثمار الثورات هم أسفل السفلة». كما استشهد بالروائي ألبير كامو الذي تحدث عن الثورات التي ترفع شعار العدالة، لتنتهي بتأسيس أجهزة الشرطة! وهنا، تساءل صاحب «نزيف الحجر» عن مستقبل «الربيع العربي» وما بقي من الثورات حتى توصف بالربيع.
وأكد الكوني الذي يعيش في سويسرا منذ 42 عاماً أنّ كل ما تشهده بعض البلدان العربية حيث رفعت الجماهير شعار الثورة، جاء مخيباً للآمال ولتضحيات الشباب والشهداء، ولم ير حتى الآن أكثر من خروج من استبداد الى استبداد آخر لا يقل سوءاً. وحين سئل عن ليبيا، أجاب بأنّه ليس متحمساً للعودة الآن لأنه لا يستطيع تسليم رقبته في دولة بلا قانون حيث يخوض المسلحون حرباً ضد الموت في إشارة الى نبش قبور الجنود الإيطاليين والبريطانيين في مدينة بنغازي. وتابع: «هل سمعتم من قبل بمعركة مع الأموات؟ هذا ما يحصل في ليبيا بعد التغيير» الذي تحوّل إلى لعنة بحسب تعبيره. الكاتب الذي ركّزت معظم رواياته على جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية، تطرّق أيضاً إلى حكم الإسلاميين، فقال إنّ «السياسة بطبعها بلا أخلاق، وأستغرب أن يصرّ الإسلاميون على الحكم وبناء دولة اعتماداً على الدين الذي يبقى قاسماً مشتركاً بين كل الناس، ولا يمكن أن يكون مجالاً لخلاف أو صراع. وأستشهد هنا بسيرتي النبي موسى والرسول عندما خاف من الوحي، فطلب من زوجته خديجة أن تدثّره».
وأكد الكوني في اللقاء أن كل ما يحدث اليوم هو خيانة لدماء الشهداء الذين استشهدوا من أجل الحرية والكرامة، وليس من أجل التأسيس لأنظمة استبدادية جديدة باسم الدين. وختم بأنّ لا ربيع عربياً من دون ثقافة وتسامح وحرية.
أما في اللقاء الثاني، فقال الكوني إنّ هناك من يعتبره كاتباً غير عربي. ولهذا السبب رأى أنّه لم يحصل إلا على أربع جوائز عربية فقط مقابل أكثر من عشر جوائز عالمية. واعتبر صاحب «الواحة» أنّ القومية العربية متعصّبة وعنصرية لم تولد إلا في المناطق المستعربة وليس في المناطق العربية الأصلية. وأكّد أنّ العرب عنصريون ولا يعترفون بالآخر، لكنّه أكّد اعتزازه بانتمائه الثقافي والروحي للثقافة العربية مثلما يعتز بأصوله التي تعود الى «الطوارق الذين يمثلون أمة عظيمة تمتد من مالي الى ليبيا الى الجزائر. وهي أمة ذات هوية». واعتبر أنّ الصحراء تسكنه بعمق رغم أنه غادرها منذ زمن بعيد إثر الكارثة البيئية التي ارتكبتها فرنسا عام 1957 بالتفجير النووي، وهي جريمة ما زال مسكوتاً عنها. قبل هذه الكارثة، كانت الصحراء الكبرى تنعم بالمياه والبحيرات وتحتضن أهلها قبل أن يشردوا. واعتبر أنّ الكتابة بالنسبة إليه هي دفاع عن هذه الذاكرة وثقافة أهله، فـ«ثقافة شمال أفريقيا ذات جذور عريقة ضاربة في التاريخ. وقد أسهمت بعمق وجدية في الفكر الانساني وأثرت في كل اللغات اللاتينية والعبرية والعربية وهي أم اللغات». وأكّد أن العرب عنصريون لأنهم ما زالوا يؤمنون بالعرق ويعملون على طمس الأقليات في حين لا أحد يستطيع أن يضمن سلامة انتمائه إلى عرق محدد.
الكوني تعرّض أيضاً الى الصحافة العربية التي قال إنّها نسجت حوله الأساطير لأنّ معظم من يكتبون فيها لا يقرأون. ومن بين «الأساطير» التي نسجت حوله دراسته للفلسفة، وهو ما نفاه بقدر ما أكّد على افتتانه بالفلسفة التي اعتبرها عصب الرواية، مضيفاً أنّ لا رواية مثيرة للاهتمام من دون فلسفة.
ونفى الكوني أن يكون يسعى الى الانتشار باعتماد أساليب الغرائبية، مضيفاً: «لو كنت أبحث عن ذلك، لما كتبت باللغة العربية» التي يفخر ويتلذذ بالكتابة بها، وتربطه معها علاقة روحية عميقة. وختم حديثه بالتأكيد أنّه صانع أساطير، فالإبداع قائم على هذا الركن وعلى طرح سؤال الوجود الانساني. واعتبر أنّ اهتمامه بحياة الطوارق هو استعارة للوجود الانساني برمته.




طروادة اليوم

«إلى أيّ مآلٍ سيؤول التاريخ لو خلا من الطغاة والحروب ومكائد أهل الكيد؟». بمقولة روسو هذه، يفتتح ابراهيم الكوني روايته الأخيرة «جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة» الصادرة عن «دار الصدى»، وعن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر». في منفاه السويسري، أنجز الروائي الليبي العمل في أيار (مايو) الماضي، ويعود فيه إلى بداية القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى المواجهة الأولى بين العرب والأسطول الأميركي. يستعرض الروائي تاريخ ليبيا، وصراع الحكم فيها، في خضمّ الأحداث التي عصفت بها. يهدي الكوني روايته «إلى أبطال لم يروا يوماً في الوطن غنيمة، فجادوا بأنهار الدمّ ليبعثوا فيه القيمة. إلى شهداء ملحمة السابع عشر من فبراير: نزيف يشهد كيف يعيد التاريخ نفسه». يوازي العمل بين الراهن العربي، وأحداث تاريخية وأخرى أسطوريّة.