كأنّنا لم نغادر منطقة الاشتباك الأولى. هل التراث عقبة أمام الحداثة، أم رافد لأسئلتها، أم هو جثة في مقبرة؟ الأسئلة التي طرحتها مجلة «مواقف» قبل ثلاثة عقود، عن معنى التراث، لم تفقد راهنيتها أو مشروعيتها، خصوصاً أنّنا نعيش اليوم لحظة مشابهة في استعادة فتاوى الماضي المقدّس. الدراسات والحوارات التي نشرتها المجلة التي كان يرأس تحريرها أدونيس، جمعتها أخيراً «دار بدايات» (دمشق)، وصدرت في كتاب تحت عنوان «التراث والموقف النقدي التساؤلي»، بمشاركة كوكبة من المفكرين العرب مثل محمد أركون، وحسين مروّة، وجورج خضر، وأنطون مقدسي، وهادي العلوي.


تكمن أهمية هذه المائدة المستديرة في تعدّد مرجعيات أصحابها، وسعيهم إلى حصيلة مغايرة تضع التراث في موقع الفحص والاختبار والمكاشفة. يجيب محمد أركون عن أسئلة أدونيس، وعباس طربيه، وهاشم صالح، بشأن كيفية تأصيل فكر نقدي في العالم العربي بضرورة متابعة التيارات العلمية الجديدة في العالم، و«الانتقال من مرحلة التلقّي والتأثير والتقليد إلى مرحلة الإنتاج والخلق والسيادة الفكرية»، منبّهاً إلى أنّ المجتمعات العربية غارقة في «الاستخدام الإيديولوجي للفكر على حساب الاستخدام المعرفي». وينبش هادي العلوي أبرز النصوص في الأدب العربي القديم التي كان لأصحابها نزعة نقدية تجاه الدين والدولة والمجتمع، فيورد مصادر من المادة النقدية بدءاً من «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب، مروراً بأشعار الخوارج، ودعبل الخزاعي، والمتنبّي، إلى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، والمعري والوهراني، إضافةً إلى مقتطفات ساخطة من نصوص هؤلاء. يصف الوهراني في كتابه «المنامات» أحد الولاة قائلاً: «ينهب الأيام نهباً، ويقطع الأوقات إلى اللذات وثباً»، ويضيف في وصف فقيه بأنه: «يبيح الفروج بفرّوج ويأخذ بأرخص الأقوال في استباحة الأموال». أنشأ نقد الاستبداد إذاً، مدوّنة ضخمة من الأدب السياسي السرّي، وبتواقيع مجهولة غالباً، بسبب الخشية من بطش الحكّام. ويختزل أنطون مقدسي في شهادته «في معنى التراث» تاريخ التفكير العربي، بأنّه أبقى الكلمة الأولى والأخيرة لعلم الكلام لا للفلسفة، وهو ما جعل العقل العربي «عقلاً كلامياً لا عقلاً كتابيّاً»، وتالياً فإنّ السؤال عن الكلام هو بالنتيجة السؤال عن التراث العربي برمته، «فسحةً، وقطيعة»، وما لم يتحوّل الكلام إلى علم، فلن نستعيد اللحظة الحضارية الحديثة.
من جهته، يؤكد المفكر الراحل حسين مروّة صعوبة إحياء التراث العربي كما هو، بل ضرورة تقييمه بمقدار ما فعله في زمانه كمسار تاريخي لا أكثر، وفي المقابل، يعارض صاحب «النزعات المادية في الإسلام» أولئك الذين يستندون إلى ما هو متخلف في التراث لتبرير رفض التراث بكليته. «فنحن إذا نظرنا إليه في حركته وتطوره، لا في حالة ثباته وجموده، انتفى الخوف من أن يصير قيداً وقتلاً للإبداع والتطور». ويلفت المطران جورج خضر إلى أهميّة التوق إلى «الجمال الروحي»، وإنقاذ الجمال من طاقة العدم كي يلتقي عالم الجمال وعالم القداسة في أثر فني واحد، وبذلك ندنو من «مدينة الله الحي، في ذهول الاختطاف»، محاولاً تخليص الأيقونة الشرقية من القوانين الرهبانية الحادة، للاستدلال على إمكانيّة «فن إلهي في حيز الخلق البشري».
ويتساءل نجيب المانع «كيف نزحزح قروننا الوسطى؟» ليؤكّد أنّنا نعيش لغة مجوّفة، «قاموسها كلمات موميائية»، بقيم وتشكّلات جديدة للقبيلة الخائفة من الغزو الأبدي. ما نحتاج إليه فكرياً، حسب ما يقول، هو «ثورة ديكارتية تغسل الصديد، وتزيله من المفاصل المشلولة خنوعاً لكلمات الأجداد العنيدين». ويشير إلى الندرة المروعة في الأفكار الجديدة، فنحن «لا نقدّم نظريات بل النظريات تقدم لنا، فننفعل بها قليلاً ثم نحنّطها ونضعها في الكهف». ويدعو إلى وعي مختلف يحرّر العقل العربي من عبوديته للعشيرة بأشكالها الصحراوية والعقائدية والدينية، كي يؤسس «مدينة الصحو، مكان الصحراء... مدينة الحرية والتراث المنقول من ظلمات الكهف الضيّق إلى أبهاء العصر الوسيعة». سخط الناقد العراقي الراحل على عقم العقل العربي يتخطّى التحريض على التراث كنصّ منجز إلى الدعوة لحرية الفكر ووضعها في مكانة أخلاقية تعلو على «الشرف والعرض وإكرام الضيف»، بقصد إحداث هزّة عنيفة تتطهّر من فضائل الصحراء، وإزالة «اللوثة العالقة في شرفنا العقلي باستيطان مدن العقل المفتوحة على العالم وتواريخه».