دمشق | لم يكن يوم أمس يوماً عادياً بالنسبة إلى عاصمة الأمويين. حديث الشارع كان خبر رحيل نجم الدراما السورية خالد تاجا الذي شُيِّع من جامع الزهراء في المزة إلى مقبرة الزينبية (بالقرب من ساحة شمدين) في منطقة ركن الدين مسقط رأسه بحضور رسمي (وزير الإعلام عدنان محمود ونقيبة الفنانين فاديا خطاب) وفني وشعبي. وكان الفنان المخضرم قد نُقل من «مستشفى الشامي» في دمشق حيث وافته المنية مساء أول من أمس. لن نحتاج إلى أي عناء للوصول إلى المسجد الدمشقي. حالما تطلب من سائق الأجرة التوجه إلى المزة، يسأل إن كان القصد هو المشاركة في جنازة «أنطوني كوين العرب»، قبل أن يترك لنفسه فرصة سرد ذكرياته مع نجم «الزير سالم» وأدواره التي أحبها. قبل الوصول إلى مكان انطلاق الجنازة، سنفاجأ بحاجز لشرطة المرور التي قررت قطع الطريق. بعد خطوات قليلة، ستفاجأ أيضاً بحافلات مليئة بقوات الجيش السوري وبانتشار أمني مكثف عرفنا لاحقاً أنّ مرده خوف السلطات من تحوّل الجنازة إلى تظاهرة أو أعمال شغب.

وسط هذا الهدوء الحذر، خيّم الوجوم على وجوه الحشود التي كانت تنتظر انطلاق موكب التشييع. من بعيد، سنلمح بسام كوسا برفقة عباس النوري والممثل إياد أبو الشامات. وقفة حميمة كان بطلها خالد تاجا. يقول بسام كوسا لـ«الأخبار»: «ما كان يميز خالد تاجا هو تلك البراءة ولا أقصد العفوية واعتماد أدائه الساحر على ما تختزنه روحه وإنسانيته من جمال من دون التفاته إلى أي شيء جاهز. لذا فقد كان مبدعاً وماركة مسجلة يستحيل تقليدها». ويلفت الفنان السوري إلى أن الممثل عموماً يمنح درجات على الحضور، وقد حصد خالد تاجا أعلى درجات في حضوره أينما حل. وعن علاقته به كإنسان، يفصح كوسا: «لا أتذكر طوال السنوات التي عاصرته فيها ممثلاً وإنساناً أنّه تحدث عن أحد من دون أن يمتزج حديثه بشيء من الحب».
أما رفيق دربه الفنان المخضرم سليم صبري، فيقول لـ«الأخبار»: «اجتمعنا في الخمسينيات من القرن المنصرم. يصعب اختصار علاقتي بهذا الرجل لأنها دامت ما يفوق خمسين عاماً. مسيرة عنوانها النضال، ولا يمكن الموت أن يغيّبه؛ لأنه حفر مكانه عميقاً في وجدان رفاقه ووجدان جمهوره العريض. إنّه رفيق عمر وخسارته أكثر من فاجعة». فيما يكتفي الممثل عدنان أبو الشامات بشهادة موجزة عن الراحل، قائلاً إنّه كان بمثابة عراب حقيقي يحظى باحترام نادر من الجميع «لطالما رافقت الهيبة والوقار دخوله أي موقع تصوير».
وبينما يهمّ عباس النوري للحديث عن الراحل، يقطعه صوت المشيع وهو يعلن نبأ رحيل الفنان السوري فيما يعلو صوت أحدهم متذمراً من انتشار القوات الأمنية. هكذا، شقت سيارات التشييع طريق الرحلة الأخيرة للممثل الراحل في شوارع العاصمة التي عشقها وعاش فيها معظم سنوات عمره.
قطع الموكب الطريق محاطاً بجموع الجماهير التي وقفت لتحيي نجمها الكبير. كانت شرطة المرور تسهل حركة الموكب، وهو يشق طريقه بهدوء من أوتوستراد المزة مروراً بساحة الأمويين ثم بالقرب من حديقة السبكي وصولاً إلى ساحة الشهبندر، قبل أن يحط في ساحة شمدين حيث ترجّل المشيعون وساروا خلفه باتجاه المقبرة. هناك تجمهر أهله وأصدقاؤه وزملاؤه، وعلى رأسهم دريد لحام، وسليم صبري، ورياض نحاس، وغادة بشور ومجموعة من الممثلين الشباب بينهم مديحة كنيفاتي، وإسماعيل مداح، وعبد الرحمن قويدر، ولواء يازجي، والسيناريست الشابة لبنى مشلح، والموسيقي طاهر مامللي وآخرون. وقف أهالي الحي الشعبي بازدحام على جانبي الطريق المؤدية إلى المقبرة حيث ألقى غالبية الحضور نظرة الوداع الأخيرة. هنا أطل أحد أصدقاء الفقيد أيام طفولته وألقى كلمة مؤثرة قال فيها: «منذ سبعين عاماً ركضنا نحو الحاكورة ونهر يزيد، وها أنت اليوم تعود إلى سفوح قاسيون مسقط رأسك لترقد بهدوء وأمان وسلام (...) كل النوارس التي لوحنا لها سوية تبدو حزينة اليوم (...) وداعاً يا خالد». وبينما كانت عائلة تاجا تتلقى العزاء، لم يقو الكاتب السوري عبد النبي حجازي على الوقوف بعدما كتب ليلة أمس ملخصاً موجزاً عن علاقته بصديقه وشقيق زوجته خالد تاجا. أما الفنان دريد لحام فقال لـ«سانا» إنّ «الراحل لم يبتعد عن القضايا الوطنية والقومية وأعماله الوطنية شاهد على ذلك»، فيما قالت منى واصف: «إنه رفيق عمر. أقول له وداعاً خالد تاجا، ستترك أثراً لن يغيب عن حياتنا وفننا».
الفراغ والخسارة يبدوان كبيرين. والمؤكد أنّ أحداً لن يستطيع سد الفراغ أو تعويض الخسارة بعدما ترجّل «الحارث ابن عباد» عن فرسه ليضيق الخناق أكثر على الدراما السورية هذا الموسم، وهي تفقد برحيله أحد أعمدتها وأبرز ممثليها وأكثرهم موهبة وشهرة وجماهيرية.




رحيلك غصّة

صادف يوم رحيل خالد تاجا عيد ميلاد المخرج سيف الدين السبيعي والسيناريست فؤاد حميرة. الأول رد على كل من عايده عبر فايسبوك بالقول: «فرحتي بيوم مولدي ترافقت مع غصة في القلب، ودمعة بالعين. صحيح أنني أعرف أن خالد تاجا مريض (...)، لكنني كنت آمل أن لا يأخذ هذا القرار ويرحل». أما فؤاد حميرة، فكتب: «هل هي الصدفة الغريبة أنك تموت يا خالد في ذكرى مولدي؟ (...) كيف أحتفل بعد اليوم بميلادي؟ لو أنك أجّلت رحيلك ساعات لينبلج فجر يوم جديد. حتى في هذيانك، تصر على أن تصبح شريكي كما كنا في «الحصرم الشامي». رحيلك غصة خالد».