هذا المساء، يصل «المهرجان الدولي للموسيقى التجريبية في لبنان» (ارتجال) إلى خواتيمه. هذه التظاهرة المثيرة للجدل، انطلقت دورتها الثانية عشرة في الخامس من الشهر الجاري (الأخبار، 5/4/2012)، وجمعت موسيقيين محليين وأجانب قدّموا تجاربهم الثائرة على قواعد الجاز والموسيقى الكلاسيكية والإلكترونية والروك.


مساحة الحرية في التعبير الفني التي يتيحها هذا المهرجان، تجعل مواعيده تراوح بين المرتجَل الحر التجريبي (أي الشق الأكثر راديكالية في الخروج عن المألوف) والمكتوب، لكن بنكهة معاصرة وحديثة (أي الحد الأدنى من الانضباط).
في الأمسية الختامية التي تستضيف عملاً بعنوان Diptyques للمؤلف اللبناني المقيم في فرنسا منذ سنوات زاد ملتقى (1967)، نحن أمام تجربة موسيقية كلاسيكية معاصرة، حديثة التوجّه. بالتالي، هي ترضخ لقواعد تنفيذ موضوعة مسبقاً، بغض النظر عن الطابع الذي قد تتخذه النتيجة النهائية، وقد تقترب حدّ التشابه من الضفة الأخرى، أي الأكثر راديكالية.
منذ أن ترك لعبة الأداء الكلاسيكي على البيانو متجهاً إلى التأليف الكلاسيكي، تبنّى زاد ملتقى لغة الحداثة المبنية أساساً على علاقة مد وجزر بين الانطلاق من القواعد والخروج عنها. الثابت شبه الوحيد وشبه الدائم في أبرز ما قدّمه منذ أواسط التسعينيات، أي منذ انطلاق مسيرته الفنية الثانية (كمؤلف)، هو المزاوجة بين مصدريْ إلهام وإرثيْن ثقافييْن: الشرق والغرب. كثيرة هي التجارب التي تقع تحت هذه الخانة من التفاعل الحضاري، لكن النتائج تختلف غالباً وتتشابه نادراً. بغض النظر عن نخبويّته وتغرُّبه عن ذائقة الجمهور العريض، فإنّ ما قدّمه زاد لغاية اليوم لا يشبه أحداً فعلاً. وهذا ليس دليل نجاح أو فشل، بل دليل استقلالية في التفكير وفي اختيار أسلوب العمل، وفرادة في التعبير عن هواجس فنية وجرأة في تحمّل المسؤولية تجاه الجمهور اليوم، والتاريخ لاحقاً.
زاد ملتقى يعيش اليوم في فرنسا. وبالتأكيد ليس له خيار بين العودة إلى الوطن أو البقاء في أوروبا لو أراد الاستمرار في هذه المهنة، وتحت هذه الراية الفنية. هنا لن تلقى تطلعاته الفنية أيّ احتضان من أي جهة إنتاجية، هذا إذا وضعنا جانباً المقارنة بين الجمهور المحلي والجمهور الأوروبي لناحية حجم الطلب على تجارب كهذه. في أوروبا، التجارب المماثلة كثيرة. يستفيد زاد منها ويفيدها. الجهات الداعمة أو الحاضنة كثيرة أيضاً، إضافةً إلى الشق التنفيذي المؤمَّن دوماً، أي الموسيقيين والفرق المختصّة بالتجارب الموسيقية الكلاسيكية الخارجة عن المألوف.
بعد العديد من المشاريع التي سمعناها في ألبومات مثل «رؤى»، «زارني»، «أناشيد»... قدّم زاد ملتقى منذ نحو سنتيْن، في بيروت، عمله «زجل» المستنِد إلى مقاربة الفولكلور من باب الحداثة. اليوم يعود إلى العاصمة اللبنانية ضمن مهرجان «ارتجال» ليقدّم Diptyques، العمل الموسيقي الغنائي الذي يتولى أداءه لبنانيون وفرنسيون تحت قيادة توفيق معتوق، وهو مبني، لناحية الكلمة، على نصوص شعرية للشاعريْن الراحليْن، الفلسطيني محمود درويش، وصاحب «نوبل» للآداب (1963) اليوناني جيورجوس سفريس. من لبنان، يشارك في الأمسية موسيقيون من الكونسرفاتوار الوطني وجوقة الجامعة الأنطونية، ومن فرنسا موسيقيو ومغنّو «ليسيه راسين»، إضافةً إلى مجموعتيْ Accroche Note (تضمّ سوبرانو وكلارينت) وMezwej (تضمّ تشيلو، ساكسوفونات، غيتار وإيقاعات) والسوبرانو نادين نصّار.

Diptyques: 8:30 مساء اليوم ـــ «مسرح المدينة» (الحمراء ـ بيروت) ــ للاستعلام: 71/497140




عازفاً على البيانو

درس زاد ملتقى أصول العزف على البيانو في لبنان، ثم سافر لإكمال دراسته في فرنسا. تمكّنه الكامل من هذا المجال، جعله يشقّ طريقه إلى العالمية واحتلال مكانة مرموقة بين زملائه. منذ سنوات قليلة، زار «مهرجان البستان» عازفاً الريبرتوار الكلاسيكي استثنائياً، ما يؤكد حنينه إلى ماضيه. هل سيتوجّه في المستقبل إلى مزيد من «الاستثناءات»، وخصوصاً أنّ الجمهور اللبناني أكثر تقبلاً لها من التجارب «الصعبة»؟