القاهرة | رجل يسأل فتاة شابة: «هل أنت على استعداد للشفاء؟». تدوخ البنت فجأة ثم تسقط على الأرض، ويتحلق الحضور حولها، لكن الرجل يصرخ: «لا أحد يلمسها»! ليس الرجل طبيباً ولا الشابة مريضة طبيعية. المشهد عُرض منذ أيام ضمن برنامج «صبايا الخير» على شاشة «النهار» المصرية، و«مرض» الفتاة يتمثل في أنّها «تعرضت لمسّ شيطاني من ألف جنيّ». أحدث ذلك نتيجة عجيبة تتمثّل في أنّها أصبحت تبكي دماً. وقد رأى المشاهدون ذلك البكاء العجيب حقاً أمام أعينهم عبر الشاشة. أما محاولة «العلاج»، فقد جرت على أيدي معالج روحاني طويل اللحية، وقف أمام الفتاة الملقاة على الأرض وهو يصرخ «اهزمهم وانصرنا عليهم». المطلوب هزمهم! إنّهم الجنّ بالطبع، وإن لم يوجه الشيخ كلامه إليهم مباشرة، لأنّ ذلك «لا يجوز شرعاً».


العثور على فتاة تذرف دماً بدلاً من الدموع، سبق مهم في عالم الميديا. أما محاولة علاجها على يد «شيخ»، فهي سبق في عالم الشعوذة. وكعادة هذه القصص، فقد «احتار الأطباء في علاجها أو تفسير الظاهرة». بعد عرض الحلقة، ظهرت تفسيرات علمية مختلفة، لكن ذلك بالطبع لا يهم البرامج التلفزيونية كثيراً. سيظل الناس يتداولون مشهد «العلاج» الروحاني على الإنترنت إلى الأبد، وأي نقاش أو حتى نقد للبرنامج، سيصب في صالحه لجهة المشاهدة.
صناعة الخرافة لها وسيلة واحدة، هي الربط المتعسف بين الأسباب والنتائج، أو بقول آخر القفز إلى استنتاج لا علاقة له بالدليل. الدليل هنا أنّ الفتاة تذرف دماً، وهي ظاهرة غريبة قطعاً. أما الاستنتاج (المس الشيطاني)، فهو يؤكد أنّ الكثير من البشر لم يتخطوا بعد العصور الوسطى. وبغض النظر عن حلقة تلفزيونية بعينها، فإن الخرافة مصدر دخل جوهري للميديا العربية، وأسوأها تلك التي تقدم نفسها في ثوب شبه علمي كبرامج تفسير الأحلام. والأغرب من تلك الأخيرة برامج التفسير «المنافق» للأحلام. أحد «المفسّرين» استمع إلى حلم رأت فيه سيدة مصرية الرئيس مبارك، فما كان منه إلا أن فسّر الحلم بأنّ خيراً وفيراً ينتظرها. لا حاجة هنا إلى القول إنّ الحلم كان قبل الثورة طبعاً!
لكن أغرب ما يربط الخرافة بالميديا العربية أنّ المعلومات عن الدجل والشعوذة في العالم العربي خرافية بدورها، يتضح ذلك في دراسة تملأ نتائجها صفحات الإنترنت العربية. تفيد الدراسة بأنّ المصريين ينفقون عشرة مليارات جنيه سنوياً (حوالى ملياري دولار) على الدجل والشعوذة. لكنّ المفاجأة ليست هنا. الصدمة المذهلة أن تلك الدراسة المنسوبة إلى «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» في مصر لم تُجرَ أبداً، بل هي دراسة وهمية لباحث وهمي. وقد اكتشفت ذلك صحيفة «الوفد» المصرية ضمن تحقيق تقصّت فيه نتائج الدراسة ومعلوماتها. ورغم كشف الصحيفة أنّ الدراسة غير حقيقية، إلا أنّ البرامج التلفزيونية والصحف ما زالت تعتمد إلى اليوم على النتائج الوهمية للدراسة الخرافية.
الخرافة لا تتوقف بالطبع عند أوكار المشعوذين وبرامج الإثارة والدراسات الوهمية، بل ترتبط بالميديا العربية من خلال ركن اقتصادي أساسي يتمثل في الترويج لمنتجات «طبية» تعالج العجز الجنسي والصلع والنحافة... وتتزاحم تلك الدعايات في قنوات «دينية» يمثّل معظمها الصدر الحنون لبرامج تفسير الأحلام وترويج الخرافات، فضلاً عن مواقع الكترونية «علمية» تروّج لما يسمى «الطب النفسي الإسلامي»، وتسعى غالباً إلى «هداية» المرضى وأصحاب الشكاوى النفسية والجنسية، وأخذهم إلى طريق «الشفاء» عن طريق الزجر الديني. الأمر الذي لا يختلف كثيراً عن المعالج الروحاني الذي صرخ في الفتاة لتتوقف عن ذرف الدماء.