يصعب على المشاهد، ولا سيّما لو كان أحد المشاركين في «ثورة يناير» المصرية، ألّا تطفر من عينه دمعة، حين وصفت الخادمة الفقيرة نوّارة (منة شلبي) فرحتها يوم تنحي مبارك: بصوت مرتعش، وقفت على حافة حمّام سباحة مخدومها أسامة (محمود حميدة) وهي تقول: «هو حد كان يتخيل إننا... نقدر نمشي حسني مبارك؟».

مع ذلك، لم تكن نوّارة من الذين «مشّوا» مبارك، فهي لم تشارك في الثورة إلا يوم التنحّي ذاته. للأدق، نزلت ميدان التحرير مع الملايين بعد إعلان التنحي بالفعل. إنها أحد أفراد الغالبية الصامتة التي راقبت الأحداث مندهشة وخائفة، ولم تجرؤ على إعلان مشاعرها إلا حين تأكدت أن الصنم قد هوى.

عودة إلى تقديم أبطال الهامش على الشاشة الكبيرة

أرادت هالة خليل (1977) في «نوّارة» (2015) ثالث أفلامها الروائية الطويلة بعد «أحلى الأوقات» (2004)، و«قص ولصق» (2006)، أن تخلق خيطاً درامياً ناعماً وسط أحداث عاصفة. أرادت أبطالاً للفيلم ليسوا أبطالاً في الحياة. نوّارة وزوجها ـ مع وقف التنفيذ ـ عليّ (أمير صلاح الدين)، والجدة (رجاء حسين)، جميعهم يعيشون على هامش الحياة والسياسة. وبينما تشتعل البلاد بالثورة والصراع السياسي، لا همّ لنوارة سوى ملء الماء من الصنبور العام البعيد عن البيت، على أمل أن تدخل المياه يوماً إلى منطقتها العشوائية «حتى تجد الجدة ما يغسّلونها به بعد وفاتها» على حد قولها باكية في أحد المشاهد. تذهب نوّارة وتعود من بيتها الفقير إلى الفيلا الفارهة لمخدوميها في «كومباوند» مغلق على الأثرياء. هنا بين العالمين، يكمن التناقض الأساسي للفيلم. نوّارة خادمة أمينة ورثت المهنة والمخدومين عن والدتها الراحلة، متزوجة على الورق فقط منذ خمس سنوات دون قدرة لزوجها عليّ على الإتيان ببيت ليعيشا فيه. من الناحية الأخرى، تبدو أسرة المخدومين أكثر تأثراً بصورة مباشرة بالثورة في شهورها الأولى: المخاوف من تجميد الأموال وتحقيقات الفساد، وربما السجن، تدفعها إلى التفكير في مغادرة البلاد كما فعل معظم الجيران. ربّ الأسرة رجل الأعمال أسامة (حميدة) يمانع السفر، مستنداً إلى شخصية عصامية وثقة بالنفس سرعان ما تنهار حين تعلن الأخبار القبض على مبارك نفسه وعلى نجليه. يسرع الجميع إلى ترك الفيلا والبلاد إلى أوروبا، تاركين الفيلا في عهدة نوّارة ورجل الكراج (أحمد راتب)، وكلب الحراسة «بوتشي»، الذي يطارد نوّارة كلما رآها، لأن «الغلبان ما بيجيش غير على الغلبان اللي زيّه»، على حد قول نوّارة في معرض تفسيرها لهجوم الكلب المستمر عليها. مع ذلك، تنجح في ترويضه بعد سفر العائلة، بعدما نجحت في ترويض خوفها منه. علاقة الترويض بهزيمة الخوف، جاءت «منطقية» أكثر من اللازم، معبّرة عن سمة متكررة في الفيلم أفقدته بعض حريّته. تبدو كل الأحداث كما لو يمكن تفسيرها سياسياً وفلسفياً بوضوح. بمعنى آخر، كما لو كان خيال الدراما جرى «ترويضه» لمصلحة الفكرة الأساسية: «الفقراء لم يستفيدوا من الثورة». حتى عندما تحلّ الأسرة الثرية فجأة الأزمة المالية المزمنة لنوّارة، عبر إهدائها مبلغاً من المال لتنجز زواجها المتأخر (مقابل أن تبقى في الفيلا تحرسها وترعاها)، تضع الأحداث نهاية مأسوية كان يفترض أن تطاول الأسرة الثرية، لكنها لا تطاول سوى نوارة، الفقيرة، وحدها.
لقد نجحت هالة خليل كمخرجة في خلق صورة بصرية جذابة (مدير التصوير زكي عارف) وقيادة الممثلين إلى أداء رفيع، سواء للشخصيات الرئيسية، أو حتى الثانوية كالأداء الرائع لشيماء سيف في دور الممرضة في المستشفى العام. لكن هالة ككاتبة سيناريو، تعثرت في تحريك الدافع الدرامي بين ثلثي الفيلم الأول والأخير، واستكانت إلى مشكلات «تقليدية» في الدراما كالجدة التي تريد ادخار نقود الدفن، والزوجين اللذين «بلا شقة» لسنوات عديدة. إن اختيار أبطال الهامش عودة إلى تقليد مهمّ في السينما المصرية، لكنه اختيار يحتاج إلى حلول درامية أشدّ ابتكاراً.