بدءاً من اليوم، يعود مهرجان «شاشات الواقع» الذي ينظمه «المعهد الفرنسي في لبنان»، بالتعاون مع «جمعية متروبوليس» في دورته الثانية عشرة، مقدماً آخر الإنتاجات في عالم الوثائقي. الافتتاح مع «هيتشكوك/ تروفو» لكنت جونز (س:20:00 ـ 80 د). يضيء الأخير على العلاقة الفريدة التي جمعت هذين المخرجين رغم اختلاف الجيل السينمائي ورؤيتهما. يصور الشريط أحد اللقاءات الاستثنائية التي حدثت في تاريخ السينما عام ١٩٦٢، حين حاور المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو، السينمائي ألفرد هيتشكوك على مدى ثمانية أيام، كان مخاضها كتاب «هيتشكوك/ تروفو» أو بحسب العنوان الفرنسي «السينما بحسب ألفرد هتشكوك» لتروفو الذي صدر عام ١٩٦٦ ويستند إليه الفيلم في تحليله لسينما هيتشكوك. المحور الرئيس في الفيلم هو علاقة تروفو بهيتشكوك ودور الموجة الجديدة في السينما الفرنسية في تكريس هيتشكوك كأحد أهم السينمائيين، إذ احتفت به «دفاتر السينما» وأدرجت أعماله ضمن سينما المؤلف رغم خروجها من استوديوهات هوليوود والطابع الترفيهي المرتبط بذلك. هذا الاعتراف كان مهماً وأساسياً لهيتشكوك، ولا يعوض عنه كل النجاح الجماهيري الذي حققته أفلامه ولم يحصل عليه إلا لاحقاً في أميركا. هيتشكوك كما نرى في الفيلم، كانت تؤرقه هذه المسألة، وكان دائم الشك بنفسه في ما إذا كان سينمائياً مؤلفاً عن حق أو مجرد صانع للترفيه أو السينما. سؤال يتجاوز هيتشكوك ليطرح العلاقة بين الفن والترفيه، ومدى ضرورة ارتباطهما أو انفصالهما. لعل سينما هيتشكوك هي أفضل ما يجيب عن هذا السؤال، فهي البرهان على القدرة على الجمع بين الاثنين بطريقة مذهلة وبلا مساومة. من هذا المنطلق، فإنّ سينماه حالة استثنائية نادرة، بقدرتها البارعة على المزج بين جمالية سينمائية مدهشة والتشويق معاً. نعيد استكشاف أفلام هيتشكوك في الوثائقي الذي يغوص في الهندسة البصرية للقطات، مشرحاً كل تلك التفاصيل أو النوتات التي يستخدمها هيتشكوك في بناء مشاهده التي تشبه السيمفونيات البصرية في حساسيتها وإيقاعها. تفاصيل تبقى أحياناً غامضة حتى بالنسبة إلى هيتشكوك، فهنالك شيء في رؤياه بسلاستها وتماهيها الكلي يشبه بناء الأحلام، وينبع من اللاوعي أيضاً.
يصور «أنا الشعب» للفرنسية آنا روسيون الثورة المصرية

أيضاً تشارك أفلام لبنانية في المهرجان كـ «هدنة» (10/4 ـ 66 د) لميريام الحاج الحائز جائزة لجنة التحكيم في «المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي في أكادير» عام ٢٠١٥. ترسم المخرجة بورتريه لعمّها رياض الذي يملك متجراً لبيع أسلحة الصيد. تصوّر المخرجة تفاصيل حياته اليومية، وأحاديثه مع رفاقه عن الحرب الأهلية التي شارك أغلبهم فيها أو المباريات الرياضية، ورحلات الصيد التي يقومون بها أو علاقته بزوجته أو بأبيه العنيف الذي أطلق عليه النار ذات يوم. لكن العلاقة الأكثر تعبيراً هي التي تجمعه بكلبته «ميرا». عبر هذه العلاقة وأحاديث طريفة أخرى، تكشف المخرجة جوانب هذه الشخصية الذكورية المتنازعة بين العنف والرقة. لا تناقش المخرجة ولا تحلل، بل تراقب، وتسمع وجهات النظر الأحادية في أسباب الحرب الأهلية اللبنانية حيث «الفلسطيني هو العدو المسبِّب الوحيد فيها» بحسب وجهة نظر هذا المجتمع المسيحي المتطرف أو «اليميني» كما تصفه في آخر الشريط، معلنة أنها لا تنتمي إليه وأنها شيوعية بعكس عائلتها. الفيلم لا يحاكم بقدر ما يصوّر بواقعية هذه الشريحة من المجتمع، بلا تجميل للآراء المتطرفة غالباً أو رواية الحرب الأهلية التي تتبناها هذه الفئة، وهو في هذا صادق تماماً، ومن هنا تنبع استثنائيته. هدف المخرجة ليس الغوص في مناقشة هذه الآراء، بل كيف تتفق هذه الآراء مع الجانب الآخر الأكثر تسامحاً أو رقة أو إنسانيةً الذي نلمسه عند «رياض». كل هذه التساؤلات تطرحها بصمت من خلال لغتها السينمائية التي تصور «رياض» الضائع في هذا الحاضر، كمقاتل في حرب وهمية، لم يبق له إلا العصافير كي يلاحقها. أما في «جغرافيات» (6/4 ـ 72 د)، فتأخذنا اللبنانية من أصل أرمني شاغيك أرزومانيان في رحلة بصرية فريدة تروي حكاية الشتات الأرمني من خلال قصة عائلة نزحت من تركيا وصولاً إلى لبنان ومعايشتها الحرب الأهلية على مدى قرن. الفيلم بأغلبه صامت، باستثناء صوت الراوية أو المخرجة التي تسرد لنا حكاية الشخصيات والموسيقى والأصوات الحية من الأمكنة التي تصورها، وإيقاع الحياة، والزمن الذي يعبرها كما الريح. الجمالية البصرية الشاعرية والأصوات المهندسة بالعناية نفسها، تتماشيان جنباً إلى جنب، لتؤسس عبرهما المخرجة لما هو أشبه بملحمة ذات موسيقى عذبة عن رحلة التفكك المستمرة التي تخوضها الشخصيات عابرة من حياة إلى أخرى. وبلغتها السينمائية، تحاول المخرجة الربط ما بينها، وتتبع خيط الحنين الذي لا ينضب. الفيلم يحمل لغته خاصة ويفرض بصمته المختلفة في السينما الوثائقية اللبنانية. من الأفلام المهمة أيضاً، «ملح الأرض» (7/4 ـ 109 د ــ 2014) للمخرج فيم فندرز وجوليانو ريبيرو سلغادو الذي يتناول أعمال المصور البرازيلي سيباستياو سلغادو. كذلك، يصور «أنا الشعب» (9/4 ـ 111 د ـ 2016) للفرنسية آنا روسيون الثورة المصرية من خلال وجهة نظر عائلة فلاحين في قرية بالقرب من الأقصر، إلى جانب فيلم «على حافة العالم» (5/4 ـ 98 د ـ 2016) لكلوس دريكسل الذي يصور الحياة الليلية للمتشردين في باريس. أما الفيلم الطريف «كيف بدأت أكره الرياضيات» (11/4 ـ 99 د ـ 2016) للفرنسي أوليفيه بييون، فينطلق من معضلة الرياضيات ككابوس كل تلميذ، ليحاور علماء الرياضيات ويصور لنا هذا العلم بشغف مشرحاً دوره في حياتنا. ويختتم المهرجان بفيلم «المتحف الوطني» (12/ 4 ـ 174 د ـ 2016) الذي يصوّر متحف لندن الوطني، بتوقيع السينمائي الأميركي المعروف فريدريك وايزمان المخضرم في عالم الوثائقي.
«شاشات الواقع»: بدءاً من اليوم (س20:00) حتى 12 نيسان (أبريل) ـ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ــ 01/204080) و «سينما مونتاني» (المعهد الفرنسي في لبنان)