ليس «مسرحاً» عاديّاً هذا الذي نقصده. ولا السيّدات اللواتي سيحيين الفرجة ممثلات عاديّات. ونحن بدورنا، لسنا جمهوراً عاديّاً. للذهاب إلى «حبس النساء» في بعبدا (لبنان)، لا بدّ من أن تكون لديك دوافع استثنائيّة. وعمليات التفتيش التي يخضعك لها الحرّاس على مدخل السجن، ستزيد من وعيك باستثنائيّة اللحظة، وتنعكس على طريقة تلقيك لـ«شهرزاد ببعبدا»، التجربة الجديدة التي تقترحها علينا زينة دكّاش، بعد محاولة أولى مدوّية مع رجال «سجن روميه» منذ ٣ سنوات، تمخّضت عن مسرحيّة «١٢ لبناني غاضب» («الأخبار»، ١١ شباط/ فبراير ٢٠٠٩).


ليس بوسعك هنا أن تبقى على الحياد، كأي متلقّ سلبي في المسرح السائد. ستجد نفسك في قفص الاتهام، وأنت تستمع إلى المونولوجات المجروحة التي تحاصرك بها نزيلات «مملكة بعبدا». الجريمة هنا احتجاج على ظلم كبير، واقتصاص من المجتمع غير العادل. وهي نتيجة جريمة أخرى سابقة، منهجيّة، يحميها ويشرّعها النظام الذكوري. لذا تبدو سيرورة التجربة بأهميّة شكلها النهائيّ، وجانبها التربوي والأخلاقي يأتي قبل الجانب الفني والثقافي. أشهُر العمل الطويلة في السجن أهمّ من العرض ربّما، و«الخطاب الجمالي» يستوعب كل الهفوات والتلعثمات والأعطال التقنيّة التي تشوب العرض… إضافة إلى تدخلات زينة ذات الطابع «التغريبي» البريختي، إذ تستدرك نسياناً لدى هذه الممثّلة، أو تنتهر تلك: «صوت!»، داعية إيّاها إلى تجاوز حاجز الخوف الذي يكبّل حنجرتها. العلاج هنا هو بالكلمة المحرّرة، إنما أيضاً بالصوت المستعاد، وبتحرير الجسد الذاتي والاجتماعي ـــ الأنثوي تحديداً.
الراوية فاطمة تعتدي علينا بورودها، بترانشكوتها ومشيتها المهرولة، وضحكتها الهستيريّة، بأسلوبها المتوتّر والمقلق. إنّها صلة الوصل بيننا وبين المونولوغات، لا ترتدي ملابس ألف ليلة مثل زميلاتها. شهرزاد الأصليّة اعتقت جنسها عن طريق الحكاية. وفي بعبدا كل سجينة هي شهرزاد باحثة عن اصغاء واعتراف، تسرد وتستعيد وتبوح وتعلّق وتسأل. حكايات حميمة ممسرحة، تتقاطع أمامنا عند جرح اجتماعي وانساني واحد، اشتغلت زينة دكّاش (مركز كاثارسيس للعلاج بالدراما) على اخراجها للضوء… قصص عن الغياب والحرمان والفقدان والظلم والندم ومحاولة وعي المسؤوليّة، ووصف واقع السجن. نحن في الأسفل، وهنّ على منصّات خشبية مرتفعة حولنا. تقنيات السرد تتمحور أيضاً حول الاكسسوار الذي يمثّل العلاقة بالعالم الآخر المفقود (كمان الزوج، مسدس ضحيّة التحرّش، دفتر مذكّرات «الزانية»، فستان الابنة البعيدة…). والشباك موظّف بديناميكيّة ليقول العلاقة بالخارج، والتوق إلى العدالة والحريّة…
«شهرزاد ببعبدا» ثمرة عمل جماعي طويل النفس، قامت به زينة دكّاش مع ١٥ امرأة من نزيلات سجن بعبدا. المسرح هنا ابن لحظته، وخلاصة عناصر ومؤثرات وتفاصيل صغيرة ليست في النص نفسه، ولا في التقنيّات، بل في المؤثرات المكانيّة والزمانيّة، الذاتيّة والاجتماعيّة، في الخلفيّات الفكريّة والشعوريّة التي تطبع العلاقة بين أطراف هذه المعادلة الابداعيّة. ما همّ ألا تكون تجربة دكّاش الجديدة مكتملة فنيّاً، كما في رومية قبل سنوات. الفنّ هنا له وظيفة أخرى، والمسرحيّة، بقالبها المشهدي المتقن، تستحق التحيّة
والمشاهدة.

«شهرزاد ببعبدا»: إعداد واخراج زينة دكّاش (كاثارسيس) ـــ الثالثة بعد الظهر من أيّام ٢٦، ٢٧، ٢٨ نيسان/ أبريل، ثم ٣، ٤، ٥، ١٠، ١١ أيّار / مايو ـــ «سجن بعبدا». للاستعلام: 03162573




أجساد أنثويّة تحاصرنا

للوصول إلى الصالة الضيّقة التي باتت مسرحاً في الدور الأوّل، نصعد الدرج متسللين بين سجينات بملابس شهرزاد، يحاصرننا بأجساد أنثويّة تعلن وجودها ورغبتها وحقّها. هذا التماس مع السجينات يدخلك في اللعبة من دون مقدّمات. «الممثلات» يتفرّجن علينا، نحن الكائنات الغريبة الآتية في عالم الحريّة. إنهنّ المحور والمادة والموضوع والمرجع الأخير، أما المتلقّي فيأتي ليكمل المعادلة ويضفي عليها طابع «المسرحيّة». تجربة «بعبدا» لا تكتمل إلا بحضور الشاهد الذي ينقل رسالة أهل السجن إلى المجتمع في الخارج.