القاهرة | في نهاية «الإرهابي» الذي لعب عادل إمام بطولته عام 1994، قرر المؤلف لينين الرملي أن يجعل مقتل الإرهابي يتم على يد زملائه في الجماعة، لا على يد البوليس. والسبب أنّ الفيلم كان أول شريط يقترب من شخصية الإرهابي ويؤنسنها، إلى درجة أن موته على يد البوليس كان سيوجّه مشاعر المشاهدين إلى غير مراد الفيلم.


على أي حال، فإن الثأر بين عادل إمام والإسلاميين يعود إلى ما قبل ذلك بسنوات، حين منعت الجماعات الإسلامية مسرحية لإحدى الفرق الجامعية في أسيوط في صعيد مصر، فقرر إمام أن يذهب بفرقته إلى هناك ليعرض «الواد سيد الشغال». فعل ذلك فعلاً، لكنه عرض المسرحية تحت حماية كثيفة من البوليس. كانت تلك نقطة الالتباس الدائم لدى «الزعيم»، إذ كان يصعب في أحيان كثيرة رؤية الفارق بين إيمانه بقضية معينة، وبين تبني قضية «صودف» أنّها تصب في صالح الحكومة.
لكن ذلك لا يعني أيضاً أنّ إمام كان «فنان النظام» بكل ما تفرضه تلك الكلمة من معان، على الأقل لفترة ما قبل السنوات الأخيرة للرئيس المخلوع وابنه التي أصبح فيها فعلاً «شاهد ماشفش حاجة». الانصاف يقتضي القول بأنّ إمام عبّر عن أحلام البسطاء لسنوات. لا يمكن تجاهل أشرطة مثل «كراكون في الشارع»، و«حبّ في الزنزانة»، و«الإرهاب والكباب». يمكن القول بأنّه لامس في مرات كثيرة ذروة المعارضة الفنية التقليدية تحت سقف النظام، وهو شيء معهود في العالم العربي. كما أنه قدم في «طيور الظلام» (1995) للمخرج شريف عرفة والمؤلف وحيد حامد، أفضل مقاربات السينما المصرية للعلاقة الحيوية بين الإرهاب الديني والفساد الحكومي.
ورغم أنّ معظم النقد الذي وجهه إمام إلى الإسلاميين، كان مصحوباً بنقد لاذع ضد السياسات الحكومية، وأحياناً كان النوع الأخير هو المتفوق كما في «الإرهاب والكباب» (1993)، إلا أن الإسلام السياسي طالما واجه إمام بحجّة أنّ أفلامه تسخر من الإسلام لا من الإسلاميين، وهي الحجة نفسها التي يستخدمونها في السياسة. من هنا كانت الدعوى التي رفعها المحامي السلفي عسران منصور ضد إمام تتهمه بازدراء الأديان (أي الإسلام) في عدد كبير من أعماله. وهي واحدة فقط من دعاوى متعددة اعتاد الإسلاميون على إقامتها ضد السينما عموماً وخصوصاً ضد عادل إمام. لكنّها المرة الأولى التي تؤيد فيها المحكمة حكماً بالسجن ضد الكوميديان الأشهر. ومن حسن حظه أنّ الحكم الأول صدر غيابياً. وبعدما أيّدت محكمة «جنح الهرم» الحكم بسجنه ثلاثة أشهر، ما زال يحق له الاستئناف. ولو بم يكن الحكم الأول غيابياً، لاضطر إمام لتنفيذه واللجوء إلى النقض أثناء وجوده في السجن.
ومثل معظم الدعاوى المشابهة، لا يمكن لأيّ عين محايدة أن ترى في فيلم مثل «الإرهاب والكباب» إلا سخرية جارفة ضد الحكومة التي حولت موظفاً بسيطاً إلى إرهابي خطير في نظر الإعلام والرأي العام. كما أن فيلم «مرجان أحمد مرجان» يسخر في حقيقته من رجل أعمال اعتاد دفع الرشوة لتسيير أعماله، بل حتى من أجل شراء الموهبة الأدبية والنجومية. وفي مشهد شهير في الفيلم، تواجهه مدرّسة أولاده (ميرفت أمين) بأنه لن يستطيع أن يشتري شفاء ابنته من مرضها، وتسأله «ماذا ستفعل الآن؟ هل تستطيع أن ترشو الله؟». في المشهد التالي، نرى عادل إمام جالساً على سجادة الصلاة ثم يطلب من رجاله أن يطعموا المساكين ويتبرعوا للفقراء، وهو المشهد الذي رأت فيه الدعوى القضائية والمحكمة «تهكماً على الذات الإلهية».
بالنظر إلى معظم المشاهد «المدانة» من قبل المحكمة، نجد شبهاً بينها وبين قضية نجيب ساويرس الشهيرة حين اتّهم بازدراء الإسلام بعدما وضع صورة متداولة على تويتر يظهر فيها ميكي ماوس باللحية وميني ماوس بالنقاب. كذلك تدين الدعوى أفلام إمام بحجة «الإساءة إلى الإسلام والرموز الإسلامية». والرموز الإسلامية المقصودة ليست شخصيات دينية أو مقدسات، بل أشياء من قبيل الجلباب واللحية.
بالطبع، ليس إمام هو الوحيد الذي انتقد الإسلام السياسي وسخر من الإرهابيين. لكن المثل المصري يقول «إضرب المربوط يخاف السايب» ولا يوجد «مربوط» أفضل من الفنان الكوميدي الأشهر في العالم العربي، الذي يبني دفاعه القانوني على أنّ أعماله جميعاً حازت موافقة الرقابة. وإذا فشل في إلغاء الحكم في محكمة الاستئناف، فإن قضبان السجن ستحدد خيال الكثير من المبدعين.