أصبح جلياً لكل من يتابع السينما اللبنانية أنّ السنوات الثلاث الأخيرة شهدت إنتاجاً ملحوظاً لأفلام روائية ووثائقية. قد تتعدد الأسباب والتحليلات لتنامي هذا القطاع. لكن بغض النظر عن القيمة الفنية للأفلام، يبقى عنصران جديدان لافتان: الإنتاج والعرض. خلال الحرب الأهليّة وما بعدها، كانت الأعمال اللبنانية تُنتج بتمويل أجنبيّ وخصوصاً فرنسي. لكن اليوم، يمكننا الكلام عن إنتاج محليّ. خلال السنوات الأخيرة، تولت الأفلام شركات إنتاج محلية، أو جاءت بإنتاج شخصيّ، أو كانت ذات إنتاجات مشتركة، لبنانية عربية، أو لبنانية أوروبية.


وفّر ذلك للمخرج اللبناني هامشاً أوسع للعمل بعيداً عن معايير يفرضها المنتج الأجنبي. من ناحية العرض، فإن معظم هذه الأفلام التي تنتمي إلى سينما المؤلف، كانت تعرض في مهرجانات في بيروت، ثم كان بعضها يجول مهرجانات دوليّة، ويحصد أحياناً بعض الجوائز، لكن من دون أن تتاح له ذلك فرصة العودة إلى الصالات اللبنانية لعروض تجاريّة، فالقائمون على الصالات اعتبروها نخبوية «غير صالحة» للجمهور العريض، أو بالأحرى غير مدرّة للأموال.
لا نبالغ في القول إنّه عند افتتاحها في «مسرح المدينة» عام 2006، كانت «متروبوليس» أولى الصالات التي بدأت تكريس مبدأ عرض الأفلام اللبنانيّة من دون أن يكون عدد الجمهور أو الربح المادي، المعيار الأساسي في البرمجة. ونذكر هنا «أطلال» لغسان سلهب، و«خلص» لبرهان علوية. تبعتها لاحقاً صالات أخرى، فبدأنا نشاهد عروضاً تجاريّة لأفلام لبنانيّة، بعضها لاقى نجاحاً على شباك التذاكر. لكن معايير البرمجة ــ باستثناء «متروبوليس» ــ ما زالت خاضعة لمنظومة الربح والخسارة التي قد تؤدي إلى سحب الفيلم منذ الأسبوع الأول، أو حصر عرضه في صالة واحدة. صحيح أنّ التوجّه الربحي يخيّم على الصالات السينمائية، فيما «متروبوليس» مخصصة للفن والتجريب، لكن صفتها التجاريّة لا تعفيها من مسؤوليتها في دعم الأفلام اللبنانيّة وتسهيل وصولها إلى الجمهور حتى «النخبويّة» منها.
من هنا، اختارت جمعية «متروبوليس» ــ بالتعاون مع «إم. سي. للتوزيع» ــ تخصيص شهرين من برمجتها في صالة «متروبوليس أمبير صوفيل» لعرض أفلام لبنانية أنتجت بين 2010 و2011، ولم تسنح لها فرصة العرض التجاري. وابتداءً من 3 أيار (مايو)، سنكون على موعد مع «دفاتر يوميّة: شهر السينما اللبنانيّة» حيث يهدف البرنامج إلى إطلاق تجاري لثمانية أفلام لبنانيّة حاز بعضها جوائز في مهرجانات عربية وسيُعرض كل شريط لمدة أسبوعين وبمعدّل أربعة عروض يوميّة.
يضم البرنامج 8 أفلام متنوعة مثل وثائقيّ «قطاع صفر» لنديم مشلاوي، والشريط الروائيّ «طيب، خلص، يلا» للمخرجين رانيا عطية ودانيال غارسيا. وسيتعرّف الجمهور إلى وثائقيات «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» لرانيا اسطفان، ووثائقي «مرسيدس» لهادي زكاك، و«أبي ما زال شيوعياً»، لأحمد غصين، وIt’s All in Lebanon لوسام شرف، و«الحوض الخامس» لسيمون الهبر، و«يامو» لرامي نيحاوي. ويختتم البرنامج بعرض واحد من خارج البرنامج لفيلم زينة صفير «بيروت عالموس».

* «دفاتر يومية: شهر السينما اللبنانية»: من 3 أيار (مايو) حتى نهاية حزيران (يونيو) ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/204080
www.metropoliscinema.net




شبح الحرب

ما يجمع الأعمال الثمانية أنّها لبنانية ذات منحى شخصي، تقدم قراءة لتاريخ لبنان الحديث انطلاقاً من وجهات نظر، وأماكن مختلفة. سيمون الهبر اختار في «الحوض الخامس»رواية أبيه ورفاقه في مرفأ بيروت خلال الحرب الأهلية. ونديم مشلاوي انتقى غيتو الكرنتينا في «قطاع صفر» (راجع المقال أدناه). أما هادي زكاك، فيجول في سيارة «مرسيدس» على ستين عاماً من تاريخ لبنان. كذلك، يواصل وسام شرف رواية قصة بلد لم تنته فيه الحرب في It›s All in Lebanon. أما رامي نيحاوي، فاختار العودة إلى طفولته في «يامو». ويعود أحمد غصين إلى الرسائل المسجلة بين أمه وأبيه في «أبي ما زال شيوعياً». وتقدّم رانيا اسطفان سيرة سعاد حسني في «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة». أما رانيا عطيّة ودانيال غارسيا فيغوصان في طرابلس عبر فيلمهما الروائي الأول «طيب، خلص، يلا».