الرباط | الخوف من حدوث مفاجأة غير سارة في اللحظات الأخيرة كان كبيراً. قبل ساعات من موعد انتهاء عقوبته، بدا أحد أصدقاء رشيد نيني الذي تحدثت إليه «الأخبار»، متوجساً وحذراً من ساعة الإفراج عن الصحافي المغربي بعد مرور عام قضاه في سجون النظام. لم يصل الأمر إلى درجة السوء التي كان يخشاها البعض. لكن فجأةً، صدر القرار بالإفراج عن المدير السابق لجريدة «المساء» المغربية في الثالثة من فجر الجمعة _ السبت في الوقت الذي كان فيه زملاؤه ومناصروه يتهيأون لاستقبال حاشد أمام باب «سجن عكاشة» في الدار البيضاء عند السابعة صباحاً.


مقربون من كاتب العمود الأكثر شعبية في المملكة قالوا إنّ النظام لجأ إلى تهريب نيني من بوابة خلفية للسجن بعدما تعمّد اختيار ذلك التوقيت المبكر لتفويت فرحة لقائه بمناصريه كتكتيك يفرغ اللحظة من مضمونها.
في ساعات الفجر، وبعدما انتشر خبر سيناريو الإفراج المريب عن نيني، انتقل أنصاره على عجل إلى مسقط رأسه بلدة بنسليمان التي تحولت يوم السبت إلى محجّ للصحافيين والزوار في انتظار الاحتفال بلحظات طال انتظارها. إنّه أول صحافي في المغرب يكمل عقوبته من دون الحصول على عفو ضمن ما يعرف بـ«العهد الجديد» خلال فترة حكم الملك محمد السادس. نصبت خيمة كبيرة أمام منزل عائلة نيني في بنسليمان للاحتفاء بخروجه من السجن، وحضر عدد كبير من الحقوقيين والصحافيين والسياسيين، بالإضافة إلى فنانين معروفين كالفنان الساخر المعارض أحمد السنوسي المشهور بـ«بزيز». أتت اللحظة المنتظرة وعانق الجمهور نيني أخيراً بالزغاريد والتمر والحليب. واجه الصحافي المشاكس صعوبة كبيرة في الوصول إلى منزل والدته، عندما طوّق المصوّرون ومناصروه السيارة التي كانت تقله. «كان المشهد مؤثراً جداً» يقول أحد الحاضرين لـ«الأخبار». وحالما استجمع نيني أنفاسه، خرج ليلقي كلمته الأولى في يوم عرسه الكبير.
ارتجل رشيد نيني كلمته التي جاء فيها: «لقد ظُلمت، وأتمنى أن أكون آخر صحافي يُسجن بسبب قناعاته، وأن أكون آخر صحافي يكون عرضة للملاحقة والمحاكمة بالقانون الجنائي. وأتمنى أن يحاكم الصحافيون كصحافيين، لا كمجرمين على كتاباتهم. لذلك لا بد من قانون إعلام جديد». ولم يفت رشيد نيني شكر «حركة 20 فبراير» الاحتجاجية التي ساندته في تظاهراتها ورفعت شعارات تطالب بإطلاق سراحه. قال نيني: «أشكرهم لمساندتي ولرفعهم شعارات تدافع عن حرية التعبير في المغرب التي باتت شرطاً أساسياً وحقاً لا تراجع عنه. لا يمكن أن نتنازل عن الحق في التعبير». وضرب نيني موعداً لزملائه مع ندوة صحافية سيعقدها قريباً لتوضيح ملابسات اعتقاله، وخطواته المستقبلية، وما إذا كان سيعود إلى قرائه في جريدة «المساء» من خلال عموده اللاذع الشهير «شوف تشوف».
وكان رشيد نيني قد حكم عليه في نيسان (أبريل) من العام الماضي بالسجن سنة واحدة نافذة مع تسديد غرامة مالية بتهمة نشر «أخبار زائفة» تنتقد عمل جهاز الاستخبارات الداخلية المعروف اختصاراً بـ«الديستي».
يترك رشيد نيني أخيراً الزنزانة، عائداً إلى جمهوره وأحبائه وحتى منتقديه. الفتى الرهيب للصحافة المغربية وكاتب العمود الشهير يغادر أسوار السجن بعد تنفيذ كامل عقوبته. لكنّه إلى أين سيعود؟ وبأي حال؟ وهل ستخفّ حدة قلمه ونقده؟ أسئلة عديدة تطرح نفسها في انتظار الأجوبة التي يحملها المستقبل القريب.