ما الذي يقود شاعراً من جيل التسعينيات، نشأ في فضاء قصيدة النثر، وانهمك في كتابتها طويلاً، إلى الالتفات فجأة إلى جماليات الشعر العربي القديم، وينبش في أركانه المنسيّة والمغيّبة والمهملة؟ الشاعر العراقي المقيم في دمشق محمد مظلوم (1963) لديه مبرراته في إعادة اكتشاف المنسي في ذلك الشعر، ليس كعمل أنطولوجي فحسب، بل لجهة كتابته نفسها. نحن إزاء نص هو مزيج من السرد والإيقاع في فضاء واحد.


هذا ما نجده أولاً في «أندلس لبغداد» (2002)، مروراً بكتابه «اسكندر البرابرة» (2004)، إلى «بازي النسوان» (2008)، كأن صاحب «غير منصوص عليه»، أحس فجأة بضيق وعاء سردياته الأولى، فلجأ إلى التجريب في حالته القصوى، على الأرجح بتأثير فقدان المكان الأول وما طرأ عليه بعد جحيم الاحتلال الأميركي للعراق وما تلاه من كوارث. هكذا استعاد أشعار أبي نواس، والشعراء الصعاليك، وأبي تمام، في مختارات شعرية. وها هو ينجز أخيراً «أصحاب الواحدة ـــ اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر العربي» (دار الجمل).
في هذا العمل، يستعيد مظلوم نصوصاً هامشية كتبها خوارج، وصعاليك، ومتصوّفة، ولصوص، ومجانين، ومنبوذون. لكنّ «بيضة الديك» ستخترق حصار المركز لتصبح ديوان حياة هؤلاء الشعراء، ومرآة شخصياتهم، نظراً إلى فرادة هذه النصوص اليتيمة التي حملت تواقيع 40 شاعراً، مثل مالك بن الريب، وماني الموسّوس، والصمّة القشيري، وأبو النشناش اللصّ، إلى عبد الأمير الحصيري.
لا ينكر صاحب «حطب إبراهيم أو الجيل البدوي» تأثره بمقترحات الشعر العربي القديم، جراء اختباره نماذج منه عن كثب، معتبراً أن منجز الحداثة العربية لم يكتمل في جغرافية شعرية تحتاج إلى حرثٍ إضافي. يقول: «قصيدتي تحاول استقصاء مراحل اكتمال النموذج القديم للقصيدة العربية، والتوجُّه نحو مسار آخر مختلف في تحولات القصيدة الأخرى الجديدة، سواء لجهة معمارها الداخلي أو الخارجي. وتالياً، فإن القطيعة تأتي من ذلك الحافز. مثلما يعني اكتمال القصيدة القديمة عقبة أمام أي اكتمال تالٍ، إلا أنَّه يشكّل في الوقت نفسه حافزاً على خلق التغاير النوعي».
من ضفةٍ أخرى، يفسّر شغفه الشخصي بنبش نماذج مغيّبة في ديوان العرب بأنّه إجلاء للحظة صراع تتسم بالأصولية وإحياء السلفيّة من جهة، وترميم لما أهملته تجارب الحداثة من جهةٍ ثانية. لذلك، فهو يرى «أنه في مواجهة هذا «الزحف المقدس» للماضي، هناك ضرورة لاستنفار برهة زمنية مطويَّة ومهمشة في تلك الحقب الثاوية هناك. أعني أن نعيد التأكيد على إحياء تلك النماذج المقهورة كي لا تقهر وتدحر ثانية، ونذكّر بالنماذج الخلّاقة بوصفها «البديل النوعي» كي لا يعاد تدجين الثقافة العربية، وإلحاقها بنمط تفكير أصولي، ينبغي إذاً، التركيز على تلك الثقافة المنشقَّة وإعادة قراءتها ضمن متن تعدُّدي متعايش».
في المقابل، لا يجد صاحب «الفتن البغدادية» بريقاً نوعيّاً في صورة المشهد الشعري العربي اليوم. تغيب الأفكار المبتكرة عن معظم نماذجه، لمصلحة «العبارة الإنشائية الهائمة، والبلاغة الحائرة، وربما العمياء باندفاعها بلا ضفاف». ويضيف شارحاً «لا تستطيع القصائد المعاصرة، في معظمها، أن تفصح لي عن التجربة العميقة لشاعرها، أو مقاربة الحياة المعاشة وتعقيداتها كما تفعل قصيدة من الشعر الجاهلي لامرئ القيس، أو من العباسي لأبي نواس اللذين تجد التجربة الشعورية والشخصية واضحة في تجربتيهما تمام الوضوح».




سيرة

ولد محمد مظلوم في منطقة الكرادة في بغداد عام 1963. سيق للخدمة العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية كسائق دبابة في سلاح الدروع قبل أن يغادر بلاد الرافدين عن طريق الشمال عبر نهر الخابور إلى سوريا حيث يقيم منذ العام 1991. نشر أولى قصائده عام 1978 ضمن جريدة «الراصد» ثم صدر أغلب شعره في مجلة «الطليعة الأدبية» وجريدة «العراق» في الثمانينيات. من أعماله ديوانا «غير منصوص عليه ـ ارتكابات» و«المتأخر ـ عابراً بين مرايا الشبهات».



ربيع «النزعات الطائفية»




بعد صدور «أصحاب الواحدة ـــ اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر العربي» (دار الجمل)، يعكف محمد مظلوم على إنهاء كتابه «مراثي الزوجات»، كما ينكب على مشروعٍ آخر يتمحور حول «الثقافة الطائفية».
سيرصد في هذا العمل مراحل نشوء المثقف الطائفي وازدهار خطابه التنابزي في التراث العربي. إضافة إلى ذلك، فهو يعمل على مشروع موسوعي يهدف إلى الكشف عن الشعراء الذين اغتيلوا أو تمت تصفيتهم لأسباب مختلفة وشتى في التراث العربي، وقد تجاوز عددهم الخمسمائة شاعر حتى الآن!
لكن هل إنّ انهماك محمد مظلوم بالتراث في هذه اللحظة العاصفة والمفصلية التي تشهدها المنطقة، قد أبعده عن صخب «الربيع العربي» وسجالاته وانشغالاته؟ يجيب لـ«الأخبار»: «صراحة، لا أرى أي ربيع من حولي. ما أراه هو دمٌ يجري كلَّ يوم، وبورصة محلية وإقليمية ودولية تهدف إلى استثمار ذلك الدم، وقد غدا هذا الفصل فصلاً للخديعة والتوحُّش، فأضحى موسماً للحصاد بمختلف مناجله وطواحينه. أرى أنّ الإنسان العربي هو ضحيَّة هذا الربيع».
ويستدرك موضحاً موقفه مما يجري قائلاً: «أعرف أن كلاماً مماثلاً سيجري تنميطه وستتمُّ إحالته إلى غيتو «البرابرة» الذين دأبت الامبراطورية الرومانية على توصيف معارضيها وعزلهم فيه، هذا ربيع للمتزاحمين على السلطة، ربيع الصراع القديم بآليات جديدة، لكن في المقابل أين ربيعنا الداخلي؟ أين ربيع العقل، وربيع الحياة المدنية؟ هذا «الربيع» ليس سوى نوع من تجديد الاستبداد والصراع حول المنطقة.
كل مُشينات التاريخ العربي وشناعاته من نزعات طائفية والاستعداء على الهوية، والحذف على الرأي، وعقلية المحو والتنابز، ستجدها في تمثيلها الرمزي على صفحات ما يسمى مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة الالكترونية، تلك الميادين الجديدة لبشائر هذا الربيع!».
يصمت قليلاً قبل أن يقول بنبرة عراقية ساخطة «الاستبداد في أنظمة الحكم في جميع الدول العربية، بلا استثناء، هو شريكٌ أساسي في ذلك كله، هذه الأنظمة هي التي وفَّرت البيئة الخصبة ليترعرع هذا الربيع الزائف، كما رعت جذوره المتوحشة، عندما جعلت من «المواطن» المفترض عبداً قابلاً للشراء، ومتطلّعاً للحرية بأيِّ ثمن، أو يبقى مزارعاً في حقولها، أو في أحسن الأحوال زبوناً في دكاكينها».
خليل...