لا يخاطب حازم العظمة (1946) القارئ مباشرةً. كأنّ القصيدة التي يكتبها هذا الشاعر السوري منجزةٌ على نحو جانبي أو موارب. نبرتها الخافتة تزيد من حياديتها المزعومة، بينما يتكفّل معجمها الثري والمرن بتصاعد استعاراتها على شكل تداعيات وتحليقات متواصلة. بهذه النبرة ذات المذاق الجانبي، تسلك قصائد مجموعته الجديدة «عربة أوّلها آخر الليل» (الكوكب/ رياض الريس) طريقاً جانبية سبق أن سلكها الشاعر في مجموعتيه السابقتين: «قصائد أندروميدا» (2004)، و«طريق قصيرة إلى عَراس» (2006).


لا يخترع العظمة ما يكتبه، لكنه لا يُذكّرنا بممارسات أو مرجعيات شعرية مألوفة لدى سابقيه أو مجايليه. لا شك في أنّ هناك استثماراً لنبرات وأصوات عديدة، إلا أن ذلك يتحول إلى ممتلكات شخصية في قصيدة قادرة على أن تكون منسرحة ومتطاولة، أو قصيرة ومضغوطة. في الحالتين، تبدو القصيدة أشبه بدندنة أو تقليب متمهل للمعاني على ممكناتها المختلفة، من دون التهافت على قفلة سريعة أو خاتمة تقليدية. في قصيدة «كؤوسٌ متباعدة في حانات يُضيئها برقٌ خفيف»، نقرأ: «النجومُ الليلةَ/ بمعطف المدينة أجملُ/ السامرون الليلة في ممرّ الأعمدة/ الصاخبون/ بأسفل البوابة/ أسرّةُ الورد/ الليلةَ/ (تعبثُ بها الريح)/ أجملُ/ عدتُ أقولُ أن بريداً ما/ في الصباحِ/ أو أن طائراً ليلياً/ لستُ هكذا دائماً/ (لم أكن هكذا دائماً)/ … أو أنها الصيف/ وأني/ ذاهلاً عدتُ/ من نهار خفيف/ ذاهل فيكِ/ أتدبّرُ نهاراً خفيفاً ذاهلاً عنكِ».
تبدأ خصوصية القصيدة من عنوانها الذي يكاد يكون قصيدة مكتفية بنفسها، ثم تأتي الجملة الأولى التي تُبطئ الحركة المفترضة للقصيدة، وتدعونا إلى إبطاء قراءتنا لها أيضاً. أثناء ذلك، تتنوع الضمائر، وتتغير زواية الرؤيا، وتتعدد الأزمنة، وتتخلى بعض الجمل عن مقاصدها ونهاياتها النحوية، وتجد الكتابة وقتاً لتكرار الجملة الأخيرة كما لو أنها نغمة واحدة تُعزفُ بآلات مختلفة. لا يتعسّف الشاعر في تلقين نصوصه التي لا تتعسف، بدورها، في خلق انطباعات فورية عند القارئ. أحياناً نحس أن الشاعر يتحدث إلى نفسه، أو يكتب لتزجية عزلة متمادية، ولا يهمه أن تحقق هذه التأملات معناها المتكامل والآمن. ممارسةٌ كهذه تصنع خصوصية لتجربة حازم العظمة في الشعر السوري الراهن، وتُبعده ـــــ في الوقت نفسه ـــــ عن الأوتوستراد الهادر الذي تتدفق فيه معظم تجارب أقرانه التي تستثمر في ما سُمّي «شعر الحياة اليومية» أو «قصيدة التفاصيل». هكذا، تمتلئ قصائده بمكونات لغوية مختلفة، ومشهديات ريفية تتوالى بمحاذاة المدينة، وتستجيب لمزاج متطلّب في استخدام علامات الترقيم والتحريك والترتيب الإيقاعي للسطور. يتحرر الشاعر من تقاليد راسخة، ويستسيغ تقاليد أخرى.
هذه الكتابة التي قد تبدو مجانية وممنوحة للتأمل والدندنة الذاتية، محكومةٌ بمزاج حساس وأسلوبية منضبطة، حيث «الفضاءُ كان أنحلَ/ من أن تمرّ به نبرةٌ واحدة»، وحيث «لا يُدهشكَ أن الكائناتِ التي كنتَ تجدها في الأفخاخِ/ غيرُ الكائناتِ التي كنتَ تنتظرها في الأفخاخ». يحدث ذلك في قصائد ذات مناخات مفتوحة، وفي قصائد أخرى قصيرة ومكتفية بمشهد واحد. في قصيدة «أحمد»، مثلاً، نجد المكونات ذاتها، لكن باقتضاب أكثر: «العَظاءةُ في الحديقة/ لا تدلُّ على أحد/ وجذور اللبلابات مقلوبةً/ علبةٌ من صفيحٍ أزرقَ/ في منتصفها جذور حمراءُ/ كسرة الفخّار التي كتب عليها «استراغون»/ وذراعان من حبل تهرَّأَ/ منذ يومينِ/ وجذور اللبلاباتِ مقلوبةٌ/ تحت نجوم أيلول». إنه عالم محدود مقارنة بعوالم قصائد أطول، لكن الشاعر يجد الأريحية المعجمية نفسها التي تفتنه بقصيدته وتفتن القارئ بها.