بعد انتظار، وصل فيلم «طيّب، خلص، يلّا» إلى «متروبوليس أمبير صوفيل». الشريط الروائي الطويل الأول للمخرجة اللبنانية رانيا عطية (١٩٧٧) والمخرج الأميركي دانيال غارسيا (١٩٧٨)، يعود إلى بيروت، بعدما جال في المهرجانات، وحاز الجوائز. ورغم أهمية «طيّب، خلص، يلّا»، إلا أنه لم ينل رضى موزعي الأفلام والمسؤولين عن الصالات في بيروت، وفي طرابلس حيث تدور أحداث العمل. هكذا، قررت جمعية «متروبوليس» تكريم الشريط، ومخرجيه ضمن تظاهرة «دفاتر يومية: شهر السينما اللبنانية»، ليكون العمل الروائي الطويل الوحيد في التظاهرة التي تطغى عليها أفلام التجريب والوثائقيات.


ليس غريباً عدم نيل «طيّب، خلص، يلّا» إعجاب الموزعين في لبنان، إذ لا علاقة له بموجة الأفلام اللبنانية التي نشهدها أخيراً، فلا قرية منسية في جرود لبنان، ولا تعايش أو انقسام طائفي، ولا حرب أهلية في هذا الشريط... على العكس، يخوض العمل تحدياً مع تلك الصورة المزركشة بألوانها وقصصها المشبعة بالنمطية التي يلعب على وترها الكثير من المخرجين اللبنانيين الشباب.
يحكي الشريط قصة رجل يسكن مع والدته المسنة في منزل متواضع في طرابلس (شمال لبنان). في أحد الأيام، يكتشف الابن الأربعيني (دانيال أرزروني) الأعزب أنّ أمه (نديمة عطيّة، جدّة المخرجة) التي تتحكم بحياته، غادرت إلى بيروت، ليجد نفسه وحيداً. بحثاً عن ملء الفراغ الذي خلفه غياب أمه، يواعد بائعة هوى، وتتطور علاقته بابن الجيران الصغير، ثم يستقدم خادمة إثيوبية لن يدوم بقاؤها طويلاً. هكذا، سنجد الابن وحيداً مرة أخرى، لا يؤنسه سوى عصفوره في مشاهد لن تنزلق إلى الميلودراما التي اعتدناها في هذه الحالات. مع محاولة الابن التقرب من بائعة الهوى، سيتطور الشريط بسلاسة، رغم ابتعاده عن مشاهد الإغراء والأسلبة الكاريكاتورية لشخصية «العاهرة».
تدور عجلة الفيلم مرة أخرى مع علاقة الابن بالخادمة الإثيوبية التي جلبها لتؤنس وحدته، بينما هي ترفض التجاوب معه. سيقنعنا مخرجا العمل بأن العاملة بدأت بالاطمئنان لصفاء نية الابن، وراحت تسكن معه وتتقبل اهتمامه بها، ما يعني أن علاقتهما ستتطور... لكن فجأة، تهرب من البيت. كل أحداث الفيلم تتوالى وتنتهي من دون خواتم عظيمة، ضمن صورة وإيقاع جميلين يضبطهما المخرجان، من دون جهد في استعراض مهاراتهما الفنية لإبهار المشاهد، بل تظل الكاميرا موظفة في خدمة الرؤية الإخراجية والحبكة الدرامية للفيلم. تتقاطع شخصيات الشريط على الكاميرا، لتقول سرها في لحظة اعتراف؛ فالأم تخبرنا عن علاقتها بالخياطة، والابن يحكي عن هوايته في تجميع السيارات الصغيرة، والخادمة الإثيوبية تأخذنا إلى قصة وصولها إلى لبنان. قد تكون الميزة الأهم لـ«طيّب، خلص، يلّا» قربه الوثيق من حياة كل إنسان. الممثلون ليسوا عارضي أزياء، بل كأي إنسان قد نلتقيه في الشارع من دون أن ندرك أن حياته قد تصلح مادةً للشاشة الكبيرة. حتى الممثل دانيال أرزروني الذي يلعب بطولة الفيلم، لا ينطوي دوره تحت خانة الحضور «الكاريزماتيكي». الشريط مبني بأسره على منطق «البطل المضاد». المشاهد الوحيدة التي تبدو نافرة في الشريط، وغير مبررة، هي تلك التي تترافق مع صوت الرواي حين يحكي لنا عن طرابلس، ومينائها، ومعرضها الدولي العريق. لا نهاية أمثولية للفيلم. ستعتم الشاشة على مشهد للبطل مع عصفوره، كأنّ يوماً آخر يمضي، ليظلّ الانتظار معلقاً على اليوم التالي. ليس مبالغة القول إن «طيّب، خلص، يلّا» يعيد الأمل إلى سينما روائية لبنانية تُعنى بشخصيات وبقصص تشبهنا ونشبهها ضمن لغة سينمائية متقنة وصادقة، بعيدة عن نتاجات عالم الفيديو كليب، والصورة ذات الجماليات اليوتيوبية.




«طيّب، خلص، يلّا»: ابتداءً من 14 حزيران (يونيو) ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ــ للاستعلام: 01/204080