مرة ثالثة، تقدّم برمجة «دفاتر يومية: شهر السينما اللبنانية» عملاً سينمائياً «عائلياً». بعدما تعرفنا إلى والد سيمون الهبر في «الحوض الخامس»، ووالدة أحمد غصين في «أبي ما زال شيوعياً»، تنضم نوال، والدة المخرج رامي نيحاوي إلى عائلة التظاهرة التي تعرضها «متروبوليس أمبير صوفيل». «يامو» هو الوثائقي الطويل الأول في تجربة نيحاوي. قرر المخرج الشاب أن يثبت كاميرته أمام والدته نوال، لتحكي له عن الماضي. عودة إلى سنوات لا يذكر منها نيحاوي سوى صور مبعثرة، تتكفل أمه بجمعها وترتيبها.


هكذا، ستخبرنا نوال اللبنانية المسيحية عن زواجها بمصطفى النيحاوي، السوري المسلم، عندما كانت في الـ 27 من عمرها. تسرد علينا بجرأة وشفافية، سنوات زواجها الأولى، وكيفية تطوّر العلاقة بينها وبين وزوجها، لينجبا ريما ورامي وريان، قبل أن ينفصلا. إنها استعادة لذاكرة تنامت في ظل الحرب الأهلية، حيث الزوج مناضل بعثي قلّما يحضر الى البيت، لكنّه لن يبارحه بعد انتهاء الحرب، ليتحول من علماني إلى متديّن، ويفسخ زواجاً «كنسياً باطلاً» ويعود إلى سوريا. ستخبرنا نوال التي كانت مناضلة في صفوف «الحزب الشيوعي اللبناني» أنّها انفصلت عن الحزب، بعدما خاب أملها بسياسته. بين هذين الاتجاهين، سيتشكل وعي نيحاوي الذي كان يؤمن بأفكار «حزب البعث» في طفولته، لكنه سيميل صوب شيوعية أمه لاحقاً، قبل أن يتخلّى عن التوجهين نهائياً. كل يوم، تصحو نوال عند الخامسة والنصف صباحاً. تحتسي قهوتها وهي تستمع إلى الأخبار. تقل بسيارتها المرسيدس القديمة بعض التلاميذ إلى المدرسة التي تعلمهم فيها. بعد الظهر، تمر على بيوت طلاب لتقدم الدروس الخصوصية، قبل أن تتوجه إلى دكانها حيث تبيع الكحول في منطقة محافظة. وفي أوقات الفراغ، تدقق نصوصاً باللغة العربية لإحدى دور النشر. تعود إلى بيتها عند الثانية بعد منتصف الليل، لتنام على الكنبة بضع ساعات قبل طلوع صباح جديد. يشكل رامي نيحاوي في «يامو» بورتريه لوالدته عبر المقابلات التي يجريها معها، إضافة إلى مشاهد يلتقطها من حياتها اليومية، ومشاهد أخرى من بيتهم، ولقطات من أرشيف الحرب وخطابات السياسيين. «يامو» يتخطى بيئته العائلية، ليقدّم صورة عن فئة اجتماعية خاضت حروبها وما زالت. تمثل نوال جميع النساء، والرجال أيضاً الذين آمنوا بقضية سياسية واجتماعية، وعملوا من خلالها على إحداث تغيير في المجتمع. نجحوا في جزء من مهمتهم، لكنهم خابوا في تحقيق الجزء الأكبر. هي حالة شريحة كبيرة من مجتمع عاشت زمن الإيديولوجيات، وحاربت من أجلها، ثم خضعت لعفو عام أصدره مجرمو الحرب ماحين به جرائمهم، قبل أن يعودوا ويحكموا الدولة.





«يامو»: ابتداء من 14 حزيران ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل»