الدار البيضاء | يتصرّف إسلاميو المغرب كأنهم الحاكمون باسم الله والشعب. قبل أيام، نظّم أساتذة وطلبة جامعيون إسلاميون من فصيل «التجديد الطلابي» التابع لـ«حزب العدالة والتنمية» و«حركة التوحيد والإصلاح» احتجاجاً على استضافة كلية الآداب في مدينة الجديدة الروائي المغربي عبد الله الطايع، ليتحدث عن أعماله الأدبية، خصوصاً روايته الأخيرة «يوم الملك». منذ البداية، لم «يعجب» الإسلاميون بهذا الكاتب الفرنكوفوني الذي أعلن مثليته عام 2009 وكتب عنها في أغلب إصداراته، وتجاوز «الخطوط الحمر» في المملكة عبر إدخاله شخصية العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في روايته الأخيرة.


في احتجاجهم الأخير الذي يُظهره شريط فيديو نُشر على موقع يوتيوب، اتهموه بـ«الشذوذ»، ورددوا شعاراتهم الظلامية «المبتكرة» من قبيل: «لا تنشروا اللوطيّة، في رحاب الكلية»! يظهر في الفيديو أحد الأساتذة الإسلاميين، وهو يصرخ بصوت عال في وجه المدافعين عن الطايع، ثم لا يلبث أن يتحول كلامه إلى ما يشبه خطبة جمعة، تقطّعها هتافات «الغاضبين» وتهديداتهم. تتحول الكاميرا إلى أحد طلاب «التجديد» الذي يصرخ بدوره وهو يقول: «باسم الطلبة والأستاذة، وباسم الأحرار في هذا البلد، ندين هذا السلوك الشاذ». لكنّ عبد الله الطايع (1973) الذي اضطر إلى إلغاء الندوة، لا يلقي بالاً لكل هذه الاحتجاجات والدعوات كما يقول لـ«الأخبار».
في روايته «يوم الملك» (دار الآداب ــــ تعريب ليلى الخطيب) التي نُقلت أخيراً إلى العربية، بعد صدورها قبل عامين بالفرنسية (دار سوي)، ينتقل صاحب «أحمر الطربوش»، و«كآبة عربيّة» من الحديث عن همومه الشخصية في روايتيه السابقتين، إلى عوالم أوسع. يحلم عمر فقيه، بطل الرواية، بأنه في حضرة الملك المغربي الراحل الحسن الثاني. يعيش الطفل حلمه بنشوة وخوف. يغمى عليه حين يحادثه الملك. يصبح هذا الحلم خيطاً ناظماً لبنية الرواية. يحكي عمر لصديقه خالد الغول عن مجالس الملك، وعن طقوس القصر التي تظل سريالية لدى خالد. حلم عمر يتزامن مع أخبار تقول إن الملك «المقدّس» سيزور فعلاً مدينة سلا التي يعيش فيها عمر الفقير ابن الأحياء المهمشة، وخالد ابن العائلة البرجوازية. قصة تعكس الفروق الطبقية بين صديقين في المدرسة، على ضوء زيارة الملك لمدينتهما. «أهمّ حدث في حياتي هو ترجمة كتابي إلى العربية» يقول الطايع. «تُرجمت الرواية إلى لغات عدة، لكن أن تصبح متاحة بالعربية، لغتي الأولى التي تشكّل كياني ومخيلتي، فهذا يسعدني جداً، ويبرهن على أن كل ما أكتبه يحيطه ذوق عربي». يضيف: «الآن أحس بأني كاتب كامل! قبل الترجمة، كنت أشعر بأنني نصف كاتب».
تحافظ الترجمة العربية لـ«يوم الملك» على صدق اللغة، وطابعها البوحي اللذين يميزان كتابات الطايع في اللغة الفرنسية. جمل قصيرة، اقتصاد لغوي، وبناء دقيق للفقرات والمقاطع. لكن قد يؤخذ على الترجمة طابعها «المشرقي». في الكثير من الأحيان، نقلت المترجمة بعض العبارات التي تأخذ مرجعيتها من العامية المغربية إلى عربية فصيحة. قارئ مغربي مدرك للثقافة الشعبية المغربية ولأصول هذه التعابير، قد ينزعج بعض الشيء من ذلك. كما أن أسماء الأعلام والأماكن في بعض الأحيان لا تطابق الأسماء الأصلية لها. لكنها تفاصيل صغيرة لا تعني أن المترجمة لم تحافظ على روح النص. مرجعيات الطايع عربية ومغربية بامتياز. نرى نحتاً للغة العربية داخل كتاباته الفرنسية، وهو ما يؤكده لـ«الأخبار»: «أكتب بالفرنسية مجبراً! هذا يدفعني إلى الشعور بأنني خائن. خائن لعائلتي ولأصولي. إذن، لقد أخذت وضعية «العدو» بطريقة ما. هذا يؤرقني ويؤلمني أحياناً. لكن مع ذلك، فقد نقلت هذه العلاقة المركبة والصدامية مع الفرنسية والأصول إلى كتاباتي. أنا خائن... لكنني أجبر اللغة الفرنسية على تقبل العربية، بثقافتها وبناها اللغوية ومخيالها». علاقة الكاتب المتوترة بالفرنسية، تدفعه إلى خلق معجمه وأسلوبه الخاصّين داخل الفرنسية، كما فعل العديد من الكتّاب المغاربة. لغة يستغلها الطايع لإدانة سلوكات مجتمعية شبيهة بسلوك عائلة بطله الغول: «أكتب بالفرنسية مع أن علاقتي معها معقدة. إنها لغة تفصل وتضع الحدود بين الفقراء والأغنياء في المغرب». ويضيف: «كوني أنحدر من عائلة فقيرة جداً، يشعرني دوماً بالانزعاج من الفرنسية. إنها اللغة التي يتحدث بها الأغنياء المغاربة بطريقة أنيقة، فقط ليعبروا عن تعاليهم علينا نحن الفقراء، ورغبتهم في إذلالنا». لكنّ «فرنسية» الطايع تبدو مختلفة؛ إذ تقوم على الاقتصاد في اللغة، وتتحدث عن المغرب الآخر، المغيّب عن وسائل الإعلام، وعن الأدب النخبوي. جمل تتماشى مع نظرية الروائي الأميركي والملاكم إرنست همنغواي حين يقول: «على الكتاب أن يكتبوا واقفين، كي يكتبوا جملاً قصيرة». يشير الطايع إلى أنه هو الآخر يصارع كلماته ويتبادل معها اللكمات: «أؤمن بأن علي أن أحرك الأسطر... أن أذهب إلى عمق الأشياء، وأن أرى كل شيء بوعي حاد، أن لا أتوقف عند التفاصيل التي ليست مهمة. ربما من هنا تأتي جملي القصيرة. هذا الركض وراء الكلمات. هذا الإجهاد داخل الكلمات. كأنني أعرف منذ البداية أن الكلمات ستتجاوزني... ولهذا أفرض عليها إيقاعي، هو إيقاع تنفسي، وقانوني الخاص. أتعارك مع الكلمات كما كنت أفعل وأنا طفل، حينما كنت حافياً بشكل دائم، وحين كنت أتصارع من دون كللٍ مع صبيان أقوى مني...».
الصراع في «يوم الملك» يتجاوز حدود اللغة. إنه يكسر التابوهات في حديث موسّع عن ميول الصبية المثليين، وفي أحاديث أخرى عن العائلة المفككة، وعن الأم التي تخون زوجها. تذهب الرواية أبعد من ذلك، إلى الحديث عن الخادمة السوداء التي يستغلها سيّدها. هكذا، سيبدو الملك في الرواية ذريعة للحديث عن الآخرين. في هذا العمل الخيالي، نجد الجانب المظلم لبلد رزح تحت حكم مطلق لملكية الحسن الثاني. «على الرغم من رحيله قبل 13 عاماً، إلا أن مجرد ذكر اسمه يثير الهلع لدى المغاربة. حتى الآن، لا نستطيع أن نفكّر حول الرجل بشكل موضوعي، وأن نتجاوز إرثه. لا نستطيع أن نقول إن كل ما يحدث للمغرب اليوم من مسؤوليته...» يقول الطايع، ويضيف: «أظنّ أنّ جعل الحسن الثاني شخصيّة من شخصيات روايتي الأخيرة كان أمراً ضرورياً. فعل الكتابة يمنحك نوعاً من الشجاعة. وهنا، لا أتحدث عن تلك الشجاعة المتعارف عليها في القاموس اليومي، لكنني أتحدث عن شجاعة تخرجني من خوفي. لأنّني منذ اليوم الذي قررت فيه البدء في الكتابة، كان يجب أن أتوقف عن الخوف من أبي، ومن أمي، ومن كل الباقين». ربما لهذا السبب تحديداً، مُنعت «يوم الملك» بشكل غير رسمي من دخول المملكة المغربية في بداية الأمر. ولولا حصول عبد الله الطايع على جائزة «فلور» للأدباء الشباب المرموقة في فرنسا، لما دخل الكتاب إطلاقاً إلى المملكة، وهو ما يتطابق مع دعوات حركات الإسلام السياسي إلى حجب كتب الطايع كلياً عن دخول المغرب.




ليس الهجوم الأول

محاولة إسكات عبد الله الطايع ومنعه عن التعبير عن الرأي، ليست الأولى من نوعها. سبق أن هاجمته التنظيمات الإسلامية والصحف المحافظة منذ سنوات، متهمة إياه تارة بـ«الانتماء إلى مخطط صهيوني»، وتارة بـ«الشذوذ الجنسي»، و«الفساد الأخلاقي». وقد وصل الأمر بهذه الحركات الإسلامية إلى الهجوم وإلغاء ندوة الطايع في المغرب... وهو ما حدث فعلاً.