باريس | بعد الجزائرية آسيا جبار (2006)، تستعد «الأكاديمية الفرنسية» ظهر اليوم لاستقبال الروائي اللبناني أمين معلوف (1949) في احتفالية رسمية تسجّل دخول ثاني كاتب من أصل عربي إلى المؤسسة الثقافية العتيدة. وكان صاحب «ليون الأفريقي» قد زُكِّي لعضوية الأكاديمية بالإجماع قبل قرابة عام، ليحتل المقعد الـ29 الذي شغله من قبل الأنثروبولوجي كلود ليفي ستروس.


انتخاب معلوف عضواً في الأكاديمية التي يعرف أعضاؤها بـ«الخالدين» les immorteels، مثّل مفاجأة سارة حيّتها الأوساط الثقافية الفرنسية والعربية (أعلن مصرف لبنان إصدار ليرة لبنانية من الفضة الخالصة تحمل صورة الكاتب) خصوصاً أنّ صاحب «الهويات القاتلة» اشتهر بابتعاده عن مؤسسات الفرنكوفونية الرسمية، مفضّلاً «عزلة الكتب على صالونات باريس الثقافية» وفقاً للتعبير الذي رفعه الكاتب الجزائري كاتب ياسين بوجه الاستبلشمنت الثقافي الفرنسي.
خصّص معلوف ريع جائزة «غونكور» التي نالها عام 1993 عن روايته «صخرة طانيوس» لشراء بيت ريفي معزول في جزيرة Ile de Ré، على ساحل بروتاني الفرنسي، ليتفرغ لمخطوطاته وأوراقه التي تشكل جواز سفره نحو «حدائق التاريخ النيّرة». من هذه الأخيرة، يستلهم مضامين أعماله الأدبية. هكذا، اعتاد الروائي الذي استقر في فرنسا غداة نشوب الحرب الأهلية اللبنانية، ألا يقضي في باريس سوى شهرين في السنة، خلال فترة الترويج لكل عمل جديد يصدره، ثم ينسحب مجدداً إلى جزيرته المعزولة. لكل هذه الأسباب، شكّل قبوله عضوية الأكاديمية مفاجأة لمن يعرفونه عن قرب، لأنّ هذا يقتضي منه أن يقيم في باريس أغلب أشهر السنة. وقد كانت ردة فعله الأولى فور إعلان قبوله في الأكاديمية مزيجاً من السعادة والأسف. سعادته بالانتماء الى هذه المؤسسة الثقافية المرموقة شابها القلق من أن ينغض عليه ذلك عزلته وتفرغه للكتابة. قال: «أنا سعيد بدخول مؤسسة عريقة مثل «الأكاديمية الفرنسية» لأنّ لها بُعداً رمزياً بالغ الأهمية، بالنسبة إلى شخص مثلي قرّر أن يرهن حياته للكتابة. وسأكون عضواً فاعلاً في أنشطة الأكاديمية، مع أن ذلك سيحرمني من متعتي الأكبر في الحياة: عزلة الكتابة».
يشكّل جلوس معلوف تحت «قبّة» الأكاديمية، اعترافاً غير مسبوق من قبل الاستبلشمنت الفرنكوفوني بـ«ثقافة المغايرة والندّية» (بالإذن من كاتب ياسين مجدداً!). لم يسر معلوف على خطى الجيل المغاربي المؤسس للأدب الفرنكو ـ عربي، من حيث المرافعة الإيديولوجية المعادية لمشاريع الهيمنة النيوكولونيالية التي تحملها مؤسسات الفرنكوفونية الرسمية، لكنه حرص دوماً على الوقوف في موقع المغايرة. لم يتردّد في التغريد خارج السرب، مغامراً بـ «كتابات لا تساير ما تتوقعه صناعة النشر الفرنسية من كاتب عربي يشرَّف بالكتابة في لغة الرجل الأبيض المتحضر» حسب تعبير الراحل الكبير محمد ديب غداة منحه جائزة الفرنكوفونية عام 1997.
من «ليون الأفريقي» إلى «سمرقند»، ومن «موانئ المشرق» إلى «صخرة طانيوس»، تكرّست مكانة أمين معلوف كأحد أشهر الكُتّاب العرب في الغرب. لكنّه بخلاف أدباء كبار آخرين ممن اختاروا الكتابة في لغة موليير، لم يدر ظهره للقارئ العربي، ولم ينجرّ نحو مداعبة المخيلة الاستشراقية الغربية المشبعة بالمغالطات والتعميم والأفكار المعلّبة عن «الشرق المعقّد والساحر». سعت أعمال معلوف إلى إقامة جسر تواصل بين العالمين العربي والغربي عبر محاولة التأسيس لتبادل ثقافي وحوار حضاري ندّي بين الشرق والغرب، بعيداً عن التعالي والرؤى الاختزالية.
منذ كتابه الأول «الحروب الصليبية كما رآها العرب» (1983)، لم يتردّد معلوف في التجذيف عكس التيار، سالكاً «الدروب الوعرة» المحفوفة بمطبات الرفض وسوء الفهم. ولم يتردد في خلخلة يقينيات التاريخ الرسمي المكتوب من وجهة نظر «الرجل الأبيض» وحضارته الأبوية المتفوقة.
حرص معلوف في رواياته التي نالت جميعها شهرة عالمية، وتُرجمت في 38 لغة، على وضع قرائه العرب والغربيين أمام صورة أخرى للتاريخ المتوسطي المشترك، تغاير جذرياً الصيغ الرسمية للتاريخ التي كُتبت دوماً وفقاً لـ«أهواء المنتصرين». ويفسر ذلك بقوله: «في تناولي للتاريخ، أسعى إلى تحطيم الأفكار الجاهزة والأساطير المتداولة التي أعتبرها مؤذية فكرياً. وأحاول إبراز وتثمين الجوانب المشرقة والإيجابية في الميثولوجيا المتوسطية، كاسبانيا العهد الأندلسي، حيث تعايشت الأديان السماوية الثلاثة أو إيران الشعراء والمفكرين الذين أسّسوا قديماً لحضارة الحكمة الشرقية».
لا يكلّ معلوف في مسعاه السيزيفي هذا المتطلع إلى بناء جسور التواصل والحوار والتسامح بين ضفتي المتوسط، غير عابئ برياح التطرف ونفير «صراع الحضارات». ولعل هذا ما يفسّر ما تتسم به بعض كتاباته وقراءاته للتاريخ، وخصوصاً في أبحاثه التاريخية ومؤلفاته السياسية («الهويات القاتلة»، «جذور»...) من رؤى مغرقة في التفاؤل. هو لا ينكر ذلك، لكنه يستدرك قائلاً إن هذه الرؤى التفاؤلية لا تعني تحريف التاريخ أو تزويره: «أنا أدرك أن الحروب الصليبية أو الغزوات الاستعمارية لم يكن هدفها الحوار الثقافي أو التبادل الحضاري. وأعرف أيضاً أنّ كثيرين من أتباع الأديان السماوية الثلاثة يلعنون يومياً أتباع الأديان الأخرى في صلواتهم. لكن، هناك دوماً رجال ونساء يتجاوزون أسوار العداء والأفكار المسبقة، وينجحون في إقامة أواصر من الأخوة والصداقة والمحبة، رغم كل العوائق والحواجز، ويتطلعون معاً لبناء مستقبل مشترك ومغاير. وهؤلاء هم الذين أستلهم منهم أعمالي ومؤلفاتي».
للتدليل على صواب مقاربته، يضرب معلوف مثلاً ببعض التيارات النادرة من المياه العذبة التي تشق طريقها في أعمق البحار، متحدية ملوحة المحيط: «أشعر بأنني في مسعاي هذا كمن يبحث عن تلك التيارات العذبة النادرة. في العالم الفظّ والمقلق المحيط بنا، أفتّش باستمرار عن أسباب جديدة لمواصلة الأمل والحلم بمستقبل إنساني أفضل. وأنا إذ أفعل ذلك، أدرك جيداً أنني لو قمت بالمقاربة المعاكسة، أي البحث عن أسباب لليأس والتشاؤم، لوجدت ضالتي، بلا شك، بشكل أسرع وأسهل».

العرب فُتات على مائدة الفرنكوفونية



تمثل «الأكاديمية الفرنسية» إحدى أبرز مؤسسات «الفرنكوفونية الرسمية». منذ بداياته الأدبية مطلع الثمانينيات، عُرف عن أمين معلوف حرصه على النأي بنفسه عن هذا الإستبلشمنت الثقافي الذي تحركه مشاريع مشبوهة ذات منحى استعماري جديد. بينما انغمس أدباء عرب آخرون ممن يكتبون بلغة موليير، حتى الركب في مستنقعات «الفرنكوفونية الرسمية»، ولعل أشهرهم المغربي الطاهر بن جلون. وقد شكّل الموقف من الإستبلشمنت الفرنكوفوني موضوع تجاذب، وبؤرة مزمنة من المعارك والخلافات الفكرية بين الكُتّاب العرب الفرنكوفون. إذ أدانت «الفرنكفونية الرسمية» أقلاماً مرموقة من بين أشهر من كتبوا بلغة موليير، من كاتب ياسين، إلى محمد ديب، ومن إدريس شرايبي، إلى رشيد بوجدرة. وقد أعاب هؤلاء على مؤسسات الإستبلشمنت الفرنكوفوني منحاها «النيوكولونيالي».
أما أمين معلوف، فلا يريد الخوض في هذه المعارك ذات الخلفيات السياسية. وينظر إلى «الأكاديمية الفرنسية» من زاوية أخرى، مفضلاً كعادته استعادة التاريخ لتسليط الضوء على مكانة هذه المؤسسة العريقة: «حين أنظر إلى تاريخ الأكاديمية، أجد فيه لحظات جميلة ومؤثرة كثيرة، خصوصاً اللحظات المفصلية التي عبّرت فيها الأكاديمية عن قدر كبير من الشجاعة في مواجهة النظام الحاكم في فرنسا، من لويس الرابع عشر إلى نابليون الثالث. فضلاً عن موقفها المشرّف خلال الاحتلال النازي لفرنسا...». في عام 1993، قال الأب المؤسس للأدب الفرنكوفوني العربي، محمد ديب، عن مؤسسات «الفرنكوفونية الرسمية» التي تعد «الأكاديمية الفرنسية» أبرزها، إنّها «تعامل الكُتّاب العرب الفرنكوفون مثل الخادمات البرتغاليات».
من جهته، اتهم رشيد بوجدرة عام 1994، الكُتاب المغاربيين المنتمين إلى المؤسسات الثقافية الفرنسية الرسمية، بأنهم يلعبون دور «العربي الخادم». بينما وصف إدريس شرايبي هؤلاء الكُتَّاب بـ«التيوس»! (في إحالة إلى عنوان روايته الشهيرة). أما كاتب ياسين، فوصلت به الجسارة إلى حد تحدي الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران، حين تسلم منه «جائزة الأكاديمية الفرنسية» (1987)، قائلاً: «نحن ورثة فكر الأنوار، ونعتبر قيم الثورة الفرنسية جزءاً من هويتنا الثقافية. أما الفرنكوفونية الرسمية التي تحتفي بموبوتو وبوكاسا، فإننا نحاربها لأنها مشروع نيوكولونيالي يهدف إلى فرض أشكال جديدة من الهيمنة على شعوبها». لكن الجدل بخصوص الموقف من المؤسسات الفرنكوفونية الرسمية تراجع تدريجاً، ولم يعد مطروحاً بالحدّة ذاتها عند الأجيال الجديدة من الكُتَّاب العرب الفرنكوفون. أغلب الأقلام الجديدة التي تكتب بلغة موليير، من سليم باشي، إلى بوعلام صنصال وياسمينة خضرا، تتبنى مواقف أكثر مهادنة للإستبلشمنت الثقافي الفرنسي.
يبقى السؤال: هل يعود ذلك إلى تراجع الرؤى النيوكولونيالية التي تتحكم في مؤسسات «الفرنكوفونية الرسمية»؟ أم أن الكُتَّاب (والقراء؟) العرب الفرنكوفون أصبحوا أكثر مهادنة و«قابلية للاستعمار»؟
عثمان...