لم آت إلى عالم أدب الأطفال بقرار سياسي واع. لكني بقيت فيه بقرار سياسي شديد الوعي. دخلت هذا العالم لسببين: الأول لأنّ ابنتيّ كانتا تكرهان القراءة بالعربيّة «بسبب صعوبتها»، وهذا ما أغاظني. والثاني هو كراهيتهما للأكل، حتى اضطررتُ إلى اختراع قصص أسردها عليهما كلّما جلستا إلى مائدة الطعام؛ ولم يمض وقتٍ حتى راحتا تدعوان صديقاتِهما إلى الأكل وهما تغريانِهنّ بحكاياتي؛ وإذا بهما تفاجئانني مرة وقد سجّلتا، بتحريض من أمّهما، عدداً من قصصي على كاسيت، وطلبتا إليّ أن أحوّلَها إلى كتب مصوّرة بالفصحى المبسطة.


هكذا تحولت إلى شهرزاد! لكنّ هدفي كان تسلية الأطفال بالفصحى المبسطة!
سيقول البعض إنّ السبب الأوّل لدخولي عالم أدب الأطفال سياسيّ في العمق. وهم محقّون في ذلك. فإذا كان صحيحاً أنّ الشعور بالإهانة هو ما تملّكني حين تيقّنتُ من كره ابنتيّ للغة التي أعتمدها في مهنتي، فإنّ الصحيح أيضاً أنّ العربيّة «لغتي السياسيّة» كذلك: بها أكتب بيانات الحملات السياسيّة التي أنشط فيها، وبها أنشر مقالاتي ضدّ الصهيونيّة وأنظمة الاستبداد العربيّة، وهي أحد العناصر الأساسيّة لعقيدتي القومية العربية واليسارية. لذا، فإنّ هَجْسي بتقديم فصحى مبسّطة للأطفال يقبع في صميم السياسة الديمقراطيّة، إذا كانت هذه تعني إشراك أوسع فئات الناس في صناعة القرار، وضمنهم الأطفال والناشئة. ولا يَخفى عليكم أنّ الأدرب العربي المكتوب للأطفال كثيراً ما يشهد صعوبة متعمّدة، وأنّ بعض الكتّاب يستخدمونه لبسط عضلاتهم اللغويّة، مستمدّين دعماً من المدارس التقليديّة. وعليه، فإنّ مسعاي إلى تجسير الهوّة بين الفصحى والعاميّة في أدب الأطفال عمل سياسي، لأنه يطمح إلى إشراك جمهور أكبر في صناعة القرار، وتخليص هذا الأدب من قبضة نخبة مزعومة. لكن، مع توسعي في الاطّلاع على قصص الأطفال العرب، أدركت أن نفور ابنتي وأصدقائهما من القصص العربية لا يعود إلى اللغة وحدها، بل إلى العالم الذي تعبّر عنه أيضاً. فكثير من القصص مقتبس من لغات أخرى عن مجتمعات أخرى، أو هو إعادة صياغة لنصوص عربيّة قديمة. والحق أنّ مَن اتّخذ قراراً بالاقتباس أو إعادة الصياغة ليس بريئاً من الناحية السياسية، وإنما يسهم في سجن الأطفال ضمن حالتين: الاغتراب أو الاعتراب (المصطلح لعبد الله العروي).
على أنّ نفورَ ابنتيّ وأصدقائهما من القصص العربية تعدّى ذينك النوعين من القصص إلى أخرى تزعم أنها تتناول واقعنا الحديث. فقد كانتا تسألانني: مَن هي هذه الأم التي نقرأ عنها في القصص العربية؟ أمنا، والأمهات اللواتي نعرفهنّ، لا يجْلين الصحون كل الوقت، عاملة البيت هي التي تفعل ذلك! ثم... أمعقول أن يهَب الملكُ الفقراء قصره وأراضيه؟ أهذا ما يفعله الملوك العرب؟! وتفاقم الوضعُ خطورة حين أتتني سارية بكتاب التربية الوطنية كي أساعدها في حفظه. إنه كتاب يشْبه كلّ شيء إلا لبنان واللبنانيين. كانت تسألني: أصحيح أنّ النائب نائب الأمة؟ وإذا كان الحاكم يخدم الشعب، فلماذا جارنا الرئيس الفلاني لا يسمح لأحد بأن يركن سيارته في حيّنا؟ ولماذا بيته يشعشع بالأنوار، فيما بيوت الآخرين تغرق في الظلام؟ وإذا كان اللبنانيون «شعباً واحداً»، فلماذا انزربْنا في الحمام في 7 أيّار (مايو) 2008 تحت وابل القذائف؟ ولماذا سمعنا أثناء حرب إسرائيل عام 2006 مَن يهلّل لتخليصنا من «الشيعة»؟ شيئاً فشيئاً رحت أدرك أن السياسة ليست غائبةً عن قصص الأطفال وكتاب التربية، بل حاضرة بقوّة لصالح صورة ورديّة عن كلّ شيء في لبنان. وتعزّز ذلك عندي من ردود فعل بعض المعلّمين والأهل على قصصي: ثاروا على تصويري الأم كذّابة تحتال على طفلها لتطعمه كوساية إضافيّة، زاعمين أنّني بذلك أقوّض «مثالاً أعلى» ينبغي أن يضعه كلّ طفل نصب عينيه، واستنكروا قيامَ الطفل نفسِه برمي موزة في القمامة لأنّ هذا تحريض على نِعم الله! ثم راحت الامتعاضات تتزايد كلما اقتربتُ من عالم الناشئة: فكيف يمسك مازن يد ثريّا في رواية «الملجأ»؟ وكيف أصفُ فخذيها وصدرها العارم؟ وكيف أحكي عن الحرب بين اللبنانيين؟ هكذا راح الامتعاض من إدراجي محرّمات «جنسيّة» يُسند الامتعاض من إدراجي محرّمات سياسيّة عن خلافات اللبنانيين العميقة. وهذا ما عزّز اقتناعي بأننا، كتغييريين، إزاء معسكر متعدّد الرؤوس: لغوي، تربوي، اجتماعي، سياسي.

■ ■ ■


بعيْد عدوان 2006، أسّست مع رفاقي «حملة المقاومة المدنيّة». كنّا نذهب إلى قرى الجنوب المنكوبة، فنقرأ القصص للأطفال، ونوزّع الأدوية والألعاب. كان معظمنا من المدن، ومن الطبقة الوسطى، ومن طوائف مختلفة. كانت لنا تجربة فذّة في ممارسة التكافل الوطني؛ لكننا اكتشفنا أيضاً حدود الوطنيّة اللبنانيّة. ومن وحي هذه التجربة كتبتُ «فلافل النازحين» (2011). تسرد هذه الرواية حكاية عائلة من بيروت تقرر أن تساعد مهجّري العدوان في جنينة الصنائع. لكنّ المواطنيّة ليست مبدأً مجرّداً بل تطبيق لا يخلو من المصاعب، وأهمّها صعوبة إيثار الآخرين على الذات من أجل مصلحة مشتركة. وقد لامستُ هذا المبدأ في حادثة الطفل رامي ولعبته: فهو تخلّى عن لعبته لأحد الأطفال النازحين، لكنّ أباه أصرّ على أنّ التخلّي عنها لن يكون شفقةً «بل لأنّ ذلك جزءاً من مسؤوليّتنا تجاه شعبنا». وفي مقابل المواطنيّة التي عبّرتْ عن نفسها في التكاتف العابر، إلى حدّ كبيرٍ، للطوائف والطبقات والمناطق، برزتْ تعبيرات طائفيّة وطبقيّة في مشاهد عدة أهمها مشهد الصبحيّة على سطيْحة أمّ موريس. في هذا المشهد تحرّض نسوة الضيعة أم موريس على زوج ابنتها المسلم، باستخدام أقوال مأثورة مثل: «زوان البلد ولا قمح الغريب»، «اللي بياخُدْ من مِلّة غير مِلْتو بيوقع بعلّة غير علّتو». المفارقة أنّ أم موريس نفسها كانت تميل إلى هذه التعبيرات قبل أن تتزوّج ابنتها، وقبل أن تختلط في جنينة الصنائع بالحاجّة عليّة وتدخّنا «نَفَسَ أرجيلةٍ معاً». ولذا تردّ على صديقاتها الطائفيّات بنبرة حادّة: «بعض الأمثال معفّنة وطالعة ريحتها... وبعدين شو دخل «قمح الغريب»؟ المسلم غريب؟ المسلم مشْ لبناني متلي ومتلك، ولاّ إجا من المرّيخ؟». هنا نلاحظ أنّ الشعور بالمواطنة لم يأت نتيجةً للثقافة، وإنّما نتيجة للاندماج العائليّ والانخراطِ الوطنيّ في مواجهة آثار العدوان. المواطَنة ليست موقفاً عقليّاً مجرّداً، بل خلاصة تجربة حياتيّة، أتاحها النشاط السياسي العابر للطوائف والمذاهب والطبقات.
غير أنّ أعداء المواطنيّة لا يقتصرون على الطائفيين، بل ينضمّ إليهم الذكوريون. وقد شُغلتْ «فلافل النازحين» بإبراز المعايير المزدوجة عند عدنان، الناشط المعادي للطائفيّة: في حين يَحْشد قوى رفاقه وعائلته لمؤازرة النازحين، فإنه بحسب زوجته، لا يمارس المساواة داخل بيته. فأيُّ مواطنيّةٍ هي تلك التي تعْبر الطوائف والطبقات، لكنّها ترسِّخ اللامساوةَ بين الجنسين؟!

* مقتطف من مداخلة رئيس تحرير «الآداب» في مؤتمر «تجمّعُ الباحثات اللبنانيّات» في 17 حزيران (يونيو) بعنوان «السياسة في أدب الأطفال».



ساندرا ماضي


جاءت ساندرا ماضي من عمان إلى مخيّم نهر البارد لإنجاز شريط وثائقي عن «الوجه الحقيقي لأهل المخيّم الذي لا نراه في الإعلام» فإذا بمخابرات الجيش تعتقلها أمس لبعض الوقت في فرع القبة في طرابلس قبل أن تطلق سراحها. تقول المخرجة الفلسطينية لـ «الأخبار» إنّه مُررت لها رسالة مفادها أنّه إذا طال شريطها الجيش، سيلاحقونها قضائياً. وتردف: «عملي يركّز على الجوانب الانسانية في حياة أهل المخيّم. إنّهم مصرّون على الحياة وأريد أن أروي الحكاية من وجهة نظرهم».