سابقة جديدة من نوعها شهدتها بيروت ليلة أمس، مع الهجوم المسلّح على تلفزيون «الجديد» الذي تفرّجنا على بعض فصوله مباشرة على الهواء. الحادثة تسلّط الضوء على الهامش الضيّق المتروك للحياة المدنيّة والديموقراطيّة في لبنان، في ظلّ تراجع السلطة أمام المجموعات المسلّحة خلال الأسابيع الأخيرة. ووسط حالة الذهول والاستنكار، كان الجمهور يستعيد التجربة التي عاشتها المحطّة في الأيّام الأخيرة بعد مغامرتها مع الشيخ أحمد الأسير.

بكل شجاعة، وبحسّ وطني لم تحِدْ عنه يوماً، وقفت «الجديد» مساء الأحد لتتحمّل مسؤوليّتها أمام الرأي العام، معتذرةً عن الإسفاف الذي روّجت له عن غير قصد، من خلال برنامج «الحدث».

بعد خطبته الهستيريّة المدجّجة بالمغالطات والمبالغات والتحريض السافر ـــ تلك الخطبة التي تلذّذت نشرات الأخبار باستعادتها مساء الجمعة بخفّة مدهشة، كما تُنقل صور الخوارق والغرائب ـــ حلّ الشيخ أحمد الأسير أوّل من أمس، في ضيافة نانسي السبع التي لم تكن تقصد سوى القيام بعملها، في إطار مهني منفتح على التعدديّة والحوار. لكنّ السذاجة ممنوعة في مهنتنا:
لقد اكتشفت المحطّة اللبنانيّة، بعد فوات الأوان، أنّها سمحت لأحد دعاة الفتنة باستغلالها لبثّ سمومه المذهبيّة، في لحظة وطنيّة حسّاسة لا تنقصها عوامل التوتّر. وانتبهت متأخّرة إلى أن هذا الخطاب المقلق والمشبوه الذي اتخذ من شاشتها منبراً، يتناقض مع مشروعها، مثلما يتناقض برأينا مع قيم ومبادئ مؤسسات إعلاميّة أخرى، ومرجعيّات روحيّة، وقوى اجتماعيّة، وتيّارات سياسيّة كثيرة… على اختلاف مواقعها من حلبة الصراع.
لم تتردّد المحطّة في الاعتذار من المشاهدين ـــ بل من الشعب اللبناني ـــ عبر بيان صريح ومشرّف، أذيع الأحد خلال نشرة الثامنة، وجاء فيه أن «قناة «الجديد» التي ما عرفت يوماً الخطاب الطائفي لغة لها، تعتذر من مشاهديها عن كل ما تلفظ به ضيفها الذي لم يحترم أصول الضيافة، ولم يراعِ مشاعر اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم وطوائفهم، وسمح للسانه أن يُهين ويشتم ويتوعد بسهر الليالي وأرق المجتمع (…)». غير أنّ فضيلة العودة عن الخطأ وحدها قد لا تكفي هنا، ولا بدّ من استرجاع تلك الواقعة بعين نقديّة، لتفكيك آليات الفخّ الذي نصبه التلفزيون لنفسه في النهاية. محطّات كثيرة مسكونة بهوس السبق الصحافي أو باحثة عن مختلف أشكال الإثارة، كانت تتمنّى أن تغنم بالرجل الذي قفز إلى دائرة الضوء على حين غرّة، وفُتحت له الساحات، وحامت حوله الكاميرات، وعانقه وزراء ومسؤولون، وتعامل معه الجميع كأمر واقع… قلّة انتبهت أنّها أمام قنبلة موقوتة، مبرمجة، لها وظيفة محددة على الساحة المحليّة. قلّة تساءلت ما الذي يمثّله الرجل حقّاً، من أين أتى، ما دوره، وما حجمه الحقيقي في الحياة العامة؟ قلّة اكترثت لكون الصورة المتشنّجة التي يعكسها إمام مسجد بلال بن رباح، أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنّها لا تعكس فهم معظم المؤمنين لدينهم في لبنان. لقد قرّر الإعلام التعامل معه، لا كحالة هامشيّة وكعارض طارئ، بل كلاعب أساسي له ثقله وشرعيّته وحقّه في احتلال «الهواء» والاستئثار بالفضاء العام.
هذا هو الخطأ القاتل. الشيخ الأسير ظاهرة إعلاميّة… لو لم يخترعه الإعلام، لبقي جالساً وسط مريديه، يخطب فيهم ويرشدهم، وهذا حقّه وحقّهم، وهذا جيّد، طالما أنّه يتمّ تحت سقف القوانين الوضعيّة. ليست «الجديد» وحدها من وقع في هذا المطبّ، فكلّنا شريك في هذه الخفّة. ليس أحمد الأسير وحده صنيع فرنكشتاين الإعلام، نذكر مثلاً سوابق الـ Otv مع زميله بلال دقماق. نأتي بهم، نخرجهم من هامشهم إلى موقع وطني مبالغ فيه، نعطيهم الشرعيّة، الحق في أن يفتوا وينظّروا ويوجّهوا النصائح والدروس، فإذا بهم يهدّدوننا برؤية «نجوم الظهر»، فيما ليلهم ينتشر كالطاعون ويعشّش في مدارك الناس وعقولها.
ربّما آن الأوان لإعادة نظر جماعيّة في الأداء الإعلامي، ومسؤوليّات الإعلام، على أساس قواعد وطنيّة ومهنيّة وديموقراطيّة صارمة، تشكّل قاسماً مشتركاً بين أهل المهنة، وبين أكثريّة المواطنين بغضّ النظر عن قناعاتهم وانتماءاتهم. من غير المقبول التضييق على أي صوت أو طرف أو موقف طبعاً. لكن الحريّة ليست الغوغائيّة، ولا غياب القواعد، ولا ضياع المعايير. والديموقراطيّة لا تعني أن نفتح الهواء لأوّل مشعوذ نصادفه، كي يتلاعب بالسلم الأهلي. كما أن العنصريّة ليست وجهة نظر، والطائفيّة ليست وجهة نظر، والتحريض على الفتنة ليس وجهة نظر. على الإعلام أن يقدّر مكانة كل طرف وصدقيّته وشرعيّته الحقيقيّة، قبل أن يعطيه الحيّز الذي يستحقّه. وإلا انقلب السحر على الساحر، ولم نعد نرى على الشاشة سوى… «نجوم الظهر»!




بورصة الاستنكارات

ما ان انتشر نبأ الاعتداء على «الجديد»، حتّى فتحت المحطّة هواءها لردود الفعل المستنكرة التي افتتحها إلياس عطالله ثم سجعان قزّي… قبل أن تكرّ سبحة التصريحات الهاتفيّة، ويتحوّل الأثير إلى أغورا حقيقيّة أدارتها من الاستوديو سمر أبو خليل (الصورة)، وتخللتها مقابلات مباشرة مع شخصيّات سياسيّة ومسؤولين تهافتوا على التلفزيون. ردود فعل عفويّة غاضبة، وأخرى حاولت استغلال الموقف لتمرير رسائل سياسيّة مبطّنة، ومزايدات بإسم حريّة التعبير… هكذا خرج المشاهدون من الصدمة التي ولّدتها حادثة الاعتداء ليدخلوا في حالة دهشة ازاء هذه الوحدة الوطنيّة الموقتة، حول القناة وحريّة الاعلام.