بدأت AUB art gallery التابعة للجامعة الأميركية في بيروت نشاطاتها التشكيلية بمعرض شبه استعادي لخليل الصليبي (1870ــــ 1928). ثلاثون لوحة تعيدنا إلى بدايات المحترف اللبناني، وإلى لحظة الاحتكاك المبكرة مع الرسم الأوروبي. احتكاكٌ ظلّ في حدود المحاكاة الصافية تقريباً، لكن هذه المحاكاة لا تقلل من ريادة حفنة من الرسامين الموهوبين، الذين خلقوا صلةً حيوية مباشرة مع حركة وتيارات فن الرسم في منابعه الأساسية، وخصوصاً في باريس وروما. يُصنَّف خليل الصليبي ضمن عصبة الخمسة، الذين ترتبط نشأة الرسم اللبناني بتجاربهم التأسيسية، والأربعة الآخرون هم: داود القرم وحبيب سرور وجبران خليل جبران وفيليب موراني.


الصليبي أقرب إلى تجربتي القرم وسرور في البحث عن خصوصية ذاتية، وفي إخراج اللوحة من المناخات الكنسية والغايات التبشيرية إلى الحياة المدينية التي كانت مظاهرها الاجتماعية والثقافية قد نشأت للتو. لم تتخلص أعمال ذلك الرعيل من تأثير الأيقونات المشرقية والزخارف المجانية، لكن لوحاتهم بدأت تستقبل أشخاصاً من الشرائح الدنيا، ومن أصحاب المهن، إلى جانب المناظر الطبيعية والنساء العاريات ونثريات الحياة اليومية. هكذا، تحوّل الرسم من هواية بسيطة إلى مهنة حديثة واحترافية في بيئة شهدت تحولات حاسمة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لا يمكن الفصل بين طموحات هؤلاء وبين بدايات ما سُمّي عصر النهضة. الرسم كان جزءاً من حركة التنوير والأدب التي تزامنت مع حقبة المتصرفية والعقود الأخيرة من الحكم العثماني، وبرزت فيها أسماء مثل: أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وابراهيم اليازجي.
بخلاف مجايليه الذين درسوا في روما، سافر الصليبي إلى أدنبره سنة 1890. هناك التقى الرسام الأميركي جون سنغر سارجنت، الذي نصحه بالذهاب إلى الولايات المتحدة، حيث سيلتقي ملهمته وزوجته كاري أود. بين فيلادلفيا وباريس ولندن، أمضى الصليبي عشر سنوات في تطوير موهبته. تعرّف إلى أوغست رينوار. عرض بعض أعماله في صالة «دوران ــ موريل»، التي كانت تعرض لفناني المدرسة الانطباعية. تأثيرات تلك الفترة ستظهر لاحقاً في أعماله، التي توزعت بين فن البورتريه وانطباعيات المنظر الطبيعي والعري البشري، وظلت متأرجحة بين التكوين الأكاديمي المتين والبحث عن هوية لونية تترجم الهواجس والطموحات الذاتية. بعد عودته إلى لبنان، أقام محترفاً شخصياً في شارع بلس بمواجهة المدخل الرئيسي للجامعة الأميركية التي تخرّج فيها. إلى محترفه، تردد عدد من أسماء رسامي الجيل التالي: قيصر الجميّل وعمر أنسي وصليبا الدويهي. بطريقة ما، كان الصليبي تجربة وسيطة بين مجايليه المؤسسين وبين ما سُمّي جيل الرواد. عاصر زمن بيروت العثماني والانتداب الفرنسي، حين كانت المدينة المفتوحة على البحر تشهد نشوء طبقة وسطى مؤلفة من التجار والمتعلمين والمهتمين بالسياسة، وتدور في أحيائها طلائع حياة حضرية واعدة. هكذا، كان طبيعياً أن يتسرب المذاق المديني الناشئ إلى أعمال رسامي تلك الحقبة، حيث كان المعلم بطرس البستاني يبشّر بظهور المواطن العصري.
داخل هذه الخلفية التاريخية، يبدو المعرض أشبه بهدية قادمة من ماضٍ ممزوج بالسحر والحنين. شهرة الصليبي جاءت من إتقانه فن البورتريه. إلى جانب نسخ مصورة لأربع لوحات عارية (الأصليات تُعرض حالياً في «معهد العالم العربي» في باريس)، ولوحتين لقصر هليوبوليس في القاهرة، تحتل البورتريهات باقي مساحة المعرض. رسم الصليبي المواطن العصري والمواطن العادي. هناك بورتريه نادر لأمين الريحاني، وبورتريهات لشخصيات نخبوية في المجتمع البيروتي، إلى جوار بورتريهات لفلاحين وقرويين بغطاء الرأس التقليدي. كأن الصليبي أرّخ الطبعة البصرية للحياة التي سادت في زمنه. لقد عمل في خدمة البورتريه أو المنظر، لكن من دون تغييب مزاجه وانطباعاته. صحيح أنّ قدرة الفنان كانت تُقاس بمدى مقاربته الدقيقة للأصل الواقعي، إلا أنّنا لا نستطيع تجاهل المهارة العالية في إبراز الإحساس الداخلي للملامح البشرية، والسخاء الواضح في استخدام الألوان التي لا تزال فتيّة وطازجة. الصليبي نفسه حاضر في رسمين ذاتيين، بينما تحضر زوجته في بورتريهات أنيقة وباذخة. مقتلهما المأساوي بسبب خلاف حول نبع ماء في قريته الشوفية، يشيع نوعاً من الأسى في أرجاء المعرض، ويحوّل اللوحات الخاصة بهما إلى مرثيات بصرية.

«معرض استعادي لخليل الصليبي»: حتى نهاية العام الحالي
AUB art gallery (الحمرا) 01/350000




متحف الفن الحديث


يمثل معرض خليل الصليبي (الصورة بورتريه ذاتي) لحظة استثنائية لإجراء مقارنة بين بواكير المحترف اللبناني وتجاربه الراهنة. اللوحات الـ30 جزءٌ من مجموعة روز وشاهين الصليبي وُهبت إلى الجامعة الأميركية من قبل نجلهما سمير الصليبي، وتضم أعمالاً رائدة لقيصر الجميل وعمر أنسي وصليبا الدويهي.. وهي نواة متحف للفن الحديث سيُقام في حرم الجامعة.