دمشق | «ما زلنا نقف على أقدامنا» كانت تلك آخر عبارة كتبها طلال نصر الدين (1956ــــ 2012) على صفحته على الفايسبوك، قبل يومين من رحيله ظهيرة يوم الأحد. لقد خذلته قدماه أخيراً، بعد مكابدة طويلة مع المرض العضال في منفاه القسري كوبنهاغن. غادر خشبة المسرح مرغماً، من دون أن يكمل مشواره مع شخصياته المتمرّدة. توقفت الصرخة عند تخوم مسرح القباني، حين فاجأه طبيبه بأنه مصاب بمرض اللوكيميا. رحلة العلاج تراجيديا أخرى واجهت المخرج المسرحي السوري وحياته العبثية، حين قررت نقابة الفنانين في سوريا، إيقاف دفع ثمن علاجه، لعدم توافر الإمكانات المادية (!)، فأعلن الإضراب عن الطعام احتجاجاً على القرار، رافضاً التسوّل على أبواب النقابة ووزارة الثقافة.


الحملة التي قادها مثقفون سوريون وعرب أواخر العام المنصرم، دفاعاً عن صاحب «نبوخذ نصر»، أثمرت بتبرّع جهة دانماركية تكفّل علاجه، فغادر إلى كوبنهاغن منذ أشهر، لكن الموت لم يمهله لاستكمال مشاريعه الغزيرة في الكتابة والإخراج. عمل طلال نصر الدين منذ تخرّجه في معهد الفنون المسرحية في دمشق (1980) ممثلاً وكاتباً ومخرجاً في المسرح القومي، وأنجز أعمالاً لافتة، أبرزها «الديك» التي جال بها معظم المهرجانات العربية والعالمية، بالإضافة إلى «دم شرقي»، و«حلم العقل»، و«حمّام شمس النهار»، و«دائماً وأبداً»، و«مزاد علني»، و«فارس الزمن الحزين دونكيشوت». وكانت آخر نصوصه المسرحية المنشورة بعنوان «قرن العار» (2011) الذي وقّعه في مدخل «مسرح الحمراء» في دمشق، أثناء مرضه، بمشاركة حفنة من أصدقائه.
لعله اختار هذا المكان لحدسه بأنّه لن يراه مرّة أخرى: المسرح الذي شهد معظم أعماله. في كوبنهاغن، بين جرعة كيمياوية وأخرى، انكبّ على استكمال روايته «خط الفجر» التي استرجع خلالها يوميات المرض، وحواراته مع الأطباء عبر ملفات صوتيّة كان يسجلّها بصوته، بسبب عدم قدرته على الكتابة، أو خشية نسيان تفاصيل لحظات احتضاره، ومقارعته للموت ببسالة «إنني لن أهزم الموت إلا بالكتابة، سأكتب لأحيا». كما أنجز رواية أخرى بعنوان «قلعة الله» استكمل خلالها حواره مع الموت..