كما في رواياته الأخرى، تولد الحكاية من الحكاية التي قبلها، وتمهّد للحكاية التي بعدها، ثم تتداخل الحكايات في نسيج سردي معقد. يحكي الياس خوري أكثر مما يكتب في روايته «سينالكول» (الآداب). ربما يصعب شرح هذا التوصيف، لكن الحكايات نادراً ما تخضع لكتابة ثانية تحوِّلُها إلى تأليف أدبي خالص. الأحداث هي التي تُسيِّر الشخصيات وتحدد مساحتها داخل زمن الرواية ومجتمعها. ضخامة الرواية (506 صفحات) وتوزُّع أحداثها على سِيرٍ ومصائر متعددة، يجعلان القارئ أسير لعبة الحكايات المتناسلة.


تروي «سينالكول» حكاية كريم ونسيم اللذين يعاملهما والدهما كتوأم. يتفوق الأول في الدراسة ويتخرج طبيباً، بينما يتميز الثاني بقوته الجسدية. الحرب الأهلية تضعهما في معسكرين مختلفين. يلتحق كريم بمجموعة تنتمي إلى «فتح» ويقاتل إلى جانب الحركة الوطنية، بينما ينضم نسيم إلى ميليشيا «الكتائب». الحرب هي الخلفية الكبرى للرواية أكثر من كونها انشقاقاً في عائلة. يتخلى كريم عن حبيبته «هند»، ويغادر إلى مونبلييه، حيث يتزوج برناديت الفرنسية. تتزوج هند شقيقه الذي سيتحول إلى رجل أعمال. يدفن كريم ماضيه في إقامته الفرنسية، لكنه يعود إلى بيروت بدعوة من شقيقه للتشارك في إدارة مستشفى كبير.
تبدأ الرواية من اللحظة التي يقرر فيها كريم مغادرة لبنان مجدداً، ولكن ليس قبل أن تنفتح تروما الماضي، بدءاً من موت الأب وانتهاءً بهزيمة زملائه الذين تبنى بعضهم الخطاب الديني. يستعيد كريم شذراتٍ من ماضيه الذي هو ماضي البلد أيضاً. يؤرِّخ صاحب «الجبل الصغير» هوامش الحرب كي يترجم متونها. يطعِّم الرواية بتفاصيل حقيقية، فيحضر مارون بغدادي الذي يحاول صنع فيلم عن التسامح، وصادق جلال العظم ومعركة كتاب «نقد الفكر الديني»، ودلال المغربي التي يتوهّم كريم أنها تعلقت به قبل استشهادها، و«أبو جهاد» الذي يكلّفه بكتابة كراسٍ عنها. زمن ما قبل الإقامة الفرنسية يختلط مع زمن عودته القصيرة التي ستتكلَّل بـ «حرب التحرير»، بينما يقفز السرد إلى إعادة الإعمار، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. هكذا، يصبح كريم نموذجاً للمثقف واليساري الخاسر، ويصبح نسيم رمزاً لصعود طبقة تستثمر قذارة الحرب والرصيد الطائفي. كأن صاحب «الوجوه البيضاء» يستثمر جزءاً من سيرته الذاتية، أو شهادته الشخصية على تلك الحقبة، وخصوصاً انتماءه إلى «فتح» وسيرته الفلسطينية الموازية لهويته اللبنانية. في المقابل، لا يتخلى خوري عن الحس الملحمي في السرد، ولا عن المذاق القَدَري المحبَّب لشخصياته. الرواية مكتوبة بلغة مرنة، ولكنها مشروطة بانضباط أسلوبي واضح، حيث تمنح البطولة للحكايات المخترقة بتعليقات واستنتاجاتٍ تحوّل الشخصيات إلى نوعٍ من الأقنعة لتصريف المادة الروائية. السيطرة على المصائر لا تسطّح سِيَر أبطال الرواية. هكذا، سيستأنس بعض القراء بتشعُّب الحكايات، بينما سينفذ آخرون إلى الدلالات الأعمق التي تتحرك تحت سطح تلك الحكايات.
في الحرب لا يوجد ضحايا وقتلة، بل الجميع قتلة، كما تقول الرواية. علاقة كريم بالحرب «لا تستدعي هذا الشعور العارم بالانتماء»، لكن عزلته الفرنسية جعلته «يصنع لنفسه مرآة الحرب كي يغطي بها حكايته العائلية» المُخزية. نفي الماضي جعله خفيفاً خارج مشهد الحرب، وعندما فشل مشروع المستشفى، استعاد خفته التي فقدها أثناء مواجهة ماضيه الذي استثمره المؤلف ليؤرِّخ حقبةً لبنانية مضطربة، بينما بطله «كريم» لم يكن إلا ذريعةً سرديةً، مثلما كان شبحاً باهتاً لـ «سينالكول» الحقيقي الذي اكتسب هالة سحرية أثناء الحرب في طرابلس.




التيمة الخالدة

مع «سينالكول»، نتأكد أكثر أن الحرب الأهلية لا تزال مصدراً ثرياً للرواية اللبنانية التي دشّنت ولادتها الثانية في أتون هذه الحرب، كما أنها لا تزال تغري الياس خوري نفسه بوصفه أول من أرّخ لها سردياً في روايته «الجبل الصغير» (1977). كأن المجتمع اللبناني وجد نثره الواقعي والحقيقي مع انكسار صورته الشعرية التي رافقت الحقبة الذهبية للبلد. ما يعزز من وجاهة ذلك أن كتّاباً آخرين عادوا إلى الحرب في رواياتهم هذا العام، وهو ما فعلته هدى بركات في «ملكوت هذه الأرض»، وجبور الدويهي في «شريد المنازل» وربيع جابر في «طيور الهوليداي إن».