دمشق | ما زالت تطالعنا نشرات الأخبار بأرقام تبثّ على مدار الساعة أعداد القتلى الذين يتساقطون تباعاً في سوريا، بينما نسبة كبيرة ممن يقتلون هم ممن يقفون على الحياد لكنّهم يدفعون حياتهم ثمناً لمرور عابر من المكان الخاطئ. ضمن مسلسل الموت اليومي، شهد صباح أمس الأربعاء حدثاً استثنائياً لم تعرفه عاصمة الأمويين منذ اندلاع الأزمة.


شنّ مسلحون هجوماً مركزاً على قناة «الإخبارية السورية» راح ضحيته ثلاثة فنيين هم وفق ما نقل «موقع سيريا أوول» (syriaall.com): فني الغرافيك سامي أبو أمين، والفنّيان محمد شمة وزيد كحل إضافة إلى أربعة حراس من أمن المحطة وإصابة حارس خامس ما زال يقبع في المستشفى حتى الآن. كذلك أدّى الهجوم إلى تدمير شامل في مبنى المحطة الذي كان قد جّهِز باستديوات خاصة في منطقة دروشا (جنوب غرب دمشق). ويأتي ذلك بعد أشهر فقط على انطلاق البث التجريبي للمحطة التي استأنفت عملها بعد وقت قصير من الهجوم أمس، وراحت تبثّ مشاهد للدمار الذي لحق بمقرّها (راجع ص 18).
وعن تفاصيل ما جرى، تقول إحدى المعدات في القناة السورية لــ«الأخبار» إنّه «في تمام الساعة الرابعة والنصف من فجر الأربعاء، شنّ مسلحون هجوماً على المحطة بعدما تمكّنوا من تخطّي أسوار المبنى بطريقة احتيالية، ليدمّروه كلياً من خلال العبوات الناسفة». وتضيف أنّ بث المحطة انقطع لمدة نصف ساعة ليعود بعدها من «مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون».
وكانت «الفضائية السورية» (رسمية أيضاً) أول من بثّ خبر الهجوم لتشكّل الحادثة ودماء الإعلاميين التي سالت، محور أحاديث المحطات المحلية طيلة النهار، إضافة إلى جلسة مجلس الشعب التي لم تنتج سوى إلقاء الخطب الرنانة، في حين سبق وزير الإعلام السوري الجديد عمران الزعبي كل ذلك عندما عقد مؤتمراً صحافياً في مقر المبنى المدمّر حمّل من خلاله مسؤولية ما حصل للاتحاد الأوروبي! كما حمّل الجامعة العربية مسؤولية الحادثة، فـ«أولئك الذين ارتكبوا المجزرة كانوا ينفذون قرار مجلس الجامعة بإسكات الصوت الإعلامي في سوريا». أما وكالة الأنباء السورية «سانا» فقد أشارت إلى سرقة الأجهزة في المحطة من دون أن تشرح كيف حصلت السرقة، وسط الخراب الهائل الذي لحق بالمكان. من جهتها، استضافت «الجزيرة» نائب قائد «الجيش السوري الحر» مالك الكردي الذي أعلن مباشرة أنّ منشقين هم من شنّوا الهجوم بعدما صار التكتيك الجديد للانشقاق «هو ضرب معاقل النظام قبل الانشقاق بما في ذلك المؤسسات التي تمارس التضليل الإعلامي». فتح جديد في مسيرة «النضال» المسلح الذي يستهدف برصاصه إعلاميين هذه المرة وسط صمت الكثير من المعارضين في الوسط الفني والإعلامي الذين لا يوفّرون عادةً فرصة للهجوم على النظام والتنديد بجرائمه. هذه المرة، لم يجد العاملون في «الإخبارية السورية» مَن يدافع عنهم، ولو بكلمة، بل خلت الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي من أي تنديد بالجريمة، ما جعل الصحافي والسيناريست الشاب علي وجيه يكتب على صفحته على فايسبوك: «البث التجريبي الذي كنّا نسخر منه لم يعد كذلك بعدما تعمّد بالدماء. الشهداء الزملاء: لو كنتم في أيّ قناة تتماشى مع أهواء البعض، لقامت الدنيا ولم تقعد من أجلكم... لكن غض الطرف واعتباركم لم تكونوا هما ضريبة إضافية تضاف إلى دمائكم». قليلون فقط ذكروا هؤلاء الصحافيين الذين يبدو أنّ ذنبهم هو العمل في مؤسسات إعلامية رسمية، بل بلغ الأمر حدود التشفّي بهم على تويتر. هكذا طاول الانقسام مسألة يُفترض أن توحّد الساحة الإعلامية. ورغم الأعداد الوفيرة من المحلّلين الذين تسابقت الفضائيات السورية على استضافتهم للحديث عن التفجير، إلا أنّ أحداً لم يشر إلى مسؤولية النظام عن تأمين الحماية للمؤسسات الرسمية، بما فيها الإعلامية. هكذا ذهبت أرواح من يسقط منهم «فرق عملة» بحسب المقولة السورية الدارجة كثيراً هذه الأيام...