يذهب نعيم عبد مهلهل إلى طنجة، مأخوذاً بميراث محمد شكري (1935 ــ 2003) عن المدينة، في رحلة معاكسة لرحلة ابن بطوطة. الرحّالة العربي القديم (1304 ــ 1377) غادر طنجة على ظهر بعير متجهاً إلى مكة المكرمة، وسيوثّق مشاهداته في البلدان التي زارها في كتابه المرجعي «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، فيما يصلها الكاتب العراقي بعد قرون في القطار. يفتّش في أزقتها ومقاهيها وحاناتها عن رائحة صاحب «الخبز الحافي»، ويلتقي بعضاً ممن عرفه عن كثب، فيستعيد سيرته في المدينة التي ارتبطت أدبياً باسمه. يذهب إلى مقهى «ريتز» ويجلس إلى الطاولة نفسها التي كان يجلس إليها صاحب «زمن الأخطاء». يعرض صوره على جدار المقهى، وينصت إلى حكايات الهامشيين عنه، وعلاقاته المتشعبة في قاع المدينة الكوزموبوليتية.


لكن نعيم عبد مهلهل في كتابه «رحلة ابن بطوطة ـــ عولمة البعير والدبابة» (دار نينوى ـــ دمشق) سيغرق بعد قليل في بطون الكتب أكثر من استغراقه في مشاهداته الشخصية. كأن الرحلة التي استمرت شهراً واحداً في طنجة، ما هي إلا ذريعة موقتة لإنجاز كتابه هذا، أكثر منها امتصاصاً لروح المدينة ورحيقها المرّ. حتى إنّه طوال تجواله في المدينة، لا يزور مهلهل بيت محمد شكري، أو أقله يمرّ في شارع تولستوي، مكان إقامة صاحب «غواية الشحرور الأبيض»، ولن يفكك كولونيالية المدينة أو عولمتها بنظرة ذاتية تصنعها المشاهدة، لا مقولات الآخرين، رغم رفضه استحواذ محمد شكري على كتابة المدينة واتهامه العابرين بالروح الاستشراقية في الكتابة عنها: «إن أكثر ما يُكتب عن طنجة اليوم هو كتب، بطاقات بريدية. قد يمكث في طنجة كاتب ما لأسابيع، ويكتب عنها كُتيّباً متبجحاً بما يعرفه عن خفاياها، وجغرافيتها السريّة، وأمجادها الغابرة. إنهم لكثيرون الذين يكتبون عن المغرب، فيهرّجون الكتابة ويسطّحونها بحثاً عن شهرة مجانيّة». لعل وفرة المراجع والكتابات عن طنجة أغنت كاتبنا عن اكتشافاته الشخصية، أو أزاحتها جانباً لتحتلّ كتابات شكري المتن والهوامش. هكذا يقتطف مقاطع من «رحلة ابن بطوطة»، وشذرات من كتابات محمد شكري وبول بولز وجان جينيه عن أحوال طنجة وتاريخها المضطرب، ما يفقده البوصلة الصحيحة في «تبويب» تفاصيل الرحلة. هل الكتابة هنا عن نصوص محمد شكري أم عن مدينته؟ مديح شراسة الكاتب الراحل في استنطاق سيرته عبر «الخبز الحافي»، تقابله خفّة سردية في كتابة النص الموازي، وهتاف شعري في وصف المدينة المعولمة، من دون أن نرى تحولاتها، عدا تحوّل المقاهي القديمة إلى طراز حداثي. هكذا ظلت ألغاز هذه المدينة عصيّة على الرحّالة العراقي، وهو ما يفسّر استنجاده بابن بطوطة تارةً، وبمحمد شكري طوراً، على خلفية الأساطير السومرية التي ينتسب إليها باعتباره حفيداً لجلجامش والسندباد في آن واحد. السندباد البغدادي المعاصر استعار عين الآخر في مشاهداته، بدلاً من أن يرويها بنفسه، فهو يقول «إن صناعة مشهد تقرأ فيه تاريخ مدينة أمر صعب لغريب مثلي». لكنه سيتوغل تدريجاً في أسرار المدينة البحرية التي عبرها غزاة ومستعمرون وفاتحون وكُتّاب ورسامون. قبل أن تدمغ هذه المدينة حياة جان جينيه، هناك بول بولز، وتينيسي وليامز، وألبرتو مورافيا، وصموئيل بيكيت، وماتيس، ودولاكروا. هؤلاء وآخرون، نسجوا نصوصهم ورسوماتهم بتأثير هواء طنجة، ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ما جعلها «فردوساً مفترضاً للغرباء». يعترف نعيم عبد مهلهل بعجزه عن التقاط نبض مدينة محمد شكري في رحلة قصيرة، فيلجأ إلى كتاب كالفينو «مدن لامرئية» لتعويض خسائره في كتابة طنجة من موقع مغاير: «إنها مدينة إغواء لامعة، مدججة بالغموض.. مدينة للهواية والغواية وإنتاج الحلم. لا ترضى أن تتحوّل رماداً، أو تنام في قاع النسيان». لكن أين سحر الشوارع السفلية وطيش صاحب «السوق الداخلي» وشهوانيته؟ لا شيء من هذا سنجده في يوميات نعيم مهلهل. إنه يتأمل أسطورية المدينة وهو يرتشف الشاي الأخضر في أحد مقاهيها ليلاً. يستعير عبارة من ابن بطوطة من دون أن يتمثلّها جيّداً في رحلته المضادة: «غربتي في بلاد الله مسرّة». لا مسرّات شخصية هنا، عدا قراءات نقدية وأرشيفية، لم تقارب بعمق خصوصية سرد الآخر أقلّه «تدمير النسق الكولونيالي وما بعده» في هذا الفضاء العولمي، وتأصيل مشهدية لا استشراقية للمدينة المؤسطرة.