يقاتلوننا بالرعب وندافع بتغريز الأظافر في الحياة. لا هوادة في الغريزة، وجهاً وقفا. نخاف، ونأبى أن نخاف. ترتعد فرائصنا وجلاً وتتجمّد قرفاً وتترمّد يأساً، ونحلم، ونبتسم، ونُعْجَب، ونندهش، ونتحمّس، ونأكل، ونشرب، ونرقص، ونسهر، في وجه المسدس والرشّاش والدبّابة، فوق النهر، فوق القبر، في عين الليل وعلى ذرى النهار.

يجتاحوننا بالتهديد والإبادة وندافع بالحريّة.
كان بودّنا أن نقتل قاتلينا. حقّ لنا وواجب.
لكنّه من غير نصيبنا.
فهل أقلّ من أن نجرّب تحويل عجزنا عن القتل إلى محبّة؟

■ ■ ■

عودةٌ إلى الجمال، رغم الأهوال.
الجمالُ الذي وحده، لا الحقّ، يُحرّر بلا مجازر.
التربية على الجمال.
ومن البداية. من البيت والمدرسة والجامعة والزوج والزوجة والجيران والعمل.
التربية على الجمال. إرهافُ حسّه، صَقْله، إشباعه، ترقيته بالروائع. المُنَشّأ على الجمال سيظلّ ينمو في ظلاله توّاقاً إلى مزيدٍ من الجمال، توّاقاً إلى البهاء والبهاء،
لذلك لن يَقتل، لن يعتدي، لن يجور، لن يتبشّع.
الجماليّ أخلاقيّ وخَيّر لأنّ فضيلةَ الجمال هي تاج الحقّ والخير.
ما من عَظَمةٍ إلّا جميلة وما من جمالٍ إلّا عظيم. أصغر جمال، الفراشة، أنقى من أقوى أمّة. أصغر أغنية قد تشفي عليلاً يعجز الطبّ عن شفائه. تأمَّل في زخرفات السجّادة وتحييكاتها تسافرْ، جالساً، وراء الحدود.
الجمال الفنيّ أخو العلم في سلطانه المنعتق من القيود غير أنّ الجمال الفنّي، جمال الفنّ الفذّ العبقريّ، لا يمكن أن يُحوَّل إلى الأذى. لن يخدم في الإنسان غير البصيرة والضمير، ولن يغذّي فيه إلّا قوّة الرقيّ الروحي. الجمالُ تَجَسُّدُ الآلهة.

■ ■ ■

يتطفّل عليك الجمال عندما تتملّكه رغبةُ أن تمتلكه منتزعاً إيّاه من نفسه.
هنا يغدو شيئاً جميلاً. يصير شيئاً جائعاً ليؤكل. شيئاً لن «يرتاح» من قيمته إلّا عندما يُسْتَهْلك.
لعنةٌ كباقي اللعنات.
الحياةُ موتُها فيها.
الجمال، لا الجميل، خارج الأسوار، عصيٌّ على الاستهلاك.
ومع هذا غير ناجٍ من لعنة، ولعنته هي وحدته.
مستقلٌّ في وحشةِ الحريّة، عازبٌ عانس في نضارته إلى الأبد.

■ ■ ■

النظر والسمع أسهل عليهما، بين سائر الحواس، التمتُّع بالجمال دون امتلاكه. هما الأرقى، أو الأعجز حسب وجهة النظر إليهما. العجزُ هنا يستتبع الترفُّع. والسمعُ أعفُّ من النظر.
أبعدُ من الرغبةِ في امتلاكه، هناك في الجمال ما يُرْهَب. الجلالُ في أبي الهول وهياكل بعلبك والهندسة القوطيّة في كاتدرائيّة نوتردام الباريسيّة. سكونُ الغابةِ المُحيّر بين التحديق والاستلقاء والهمس والصراخ. ظلامُ البحرِ قرب القمر. لحنُ موزار الجنائزيّ. سمفونيا بيتهوفن الخامسة. فيلم «في مكان ما في الزمن» (1980) إخراج جانو زفارك تمثيل كريستوفر ريف وجين سايمور، على موسيقى لرحمانينوف. جداريّة الخلق في كنيسة «شابيل سكستين» بالفاتيكان. تدويرات رمال الصحراء، «هاملت»، «الملك لير»، «العاصفة» لشكسبير...
رهبةُ الجمالِ حلقةُ الوَصْل بين الحياة ومَجاهل ما وراءها.

■ ■ ■

كيف يمكن الحديث عن الجمال بعد مجزرة الحولا؟ أمام زعيق دُعاة الفتنة من لبنان إلى مواقع الإنترنت؟ كيف يمكن التفكير في الجمال وسط هذه الأوقيانوسات من البلاهة والكراهة والتعصّب والجهل وتعفُّن الضمير؟
كما يستطيع البحّار في عرض البحر أن يحلم باليابسة وفريسةُ الحرّ على اليابسة أن يحلم بالبحر.
كما يحلم الولد بالمكافأةِ والعجوز بالرحمة. كما يحلم مَن يعرف أنّه يحلم ومَن لا يعرف أنّه يحلم.
لأنّ الجمال ليس ترفاً بل خلاص. وما لم ندرك ذلك سنظلّ دون إنسانيّتنا. سنظلّ قطعاناً وجلّادين.

■ ■ ■

الجمال تذكاره.

■ ■ ■

ما دام أمامنا الكثير من خيبات الأمل، لماذا لا يكون بينها بعض الأمل تعويضاً عن الخيبة؟
ومن دون الاضطرار إلى العمل بنصيحة «كن جميلاً ترَ الوجود جميلاً». لا موجب لهذا القَدْر من التكيُّف. يكفي أن تكون ماشياً بلا هدف، أو أن تمارس ما تسمّيه حياتك في خضمّ هذين الصخب والعنف اللذين ينهشاننا حيناً باسم الدين أو المذهب، وحيناً باسم الوطن أو القبيلة، وحيناً باسم شرف البنت، ودائماً وأبداً باسم اللقمة.
مَن يحتمل تخلّف الدهور لا يحتاج أن يكون جميلاً ليرى الوجود جميلاً، بل يحتاج أن يمرّ عليه يومٌ لا يُفزعه فيه الدين ويشوّهه المذهب ويشلّعه الوطن وتقتله القبيلة وشرف البنت. يومٌ واحد كافٍ لبدء الإحساس بما تقدّره البهائم أفضل
منّا.

■ ■ ■

أصبحنا «الداخل». لا الداخل الروحي بل المكبّ، حيث تُرمى النفايات.
الخارجُ هو العالم الذي يتنفّس، بعيداً عن محارق النفايات وقيم القتل المقدَّسة التي هي نحن.
كان الخارج يعني السطح فصار الحريّة.

■ ■ ■

أمضى أفلاطون حياته في محاولة تأسيس مدينة مثاليّة تجمع السعادة الفرديّة إلى السعادة الجماعيّة، مستنسخاً عالم الأفكار الصافية وعالم الظواهر الحسيّ.
وفي «الوليمة» تقوده مناقشةٌ حول الحبّ إلى الاستنتاج الآتي: «يجب أن يفضي حبّ الأجساد الجميلة واشتهاؤها إلى حبّ الأرواح الجميلة والأفعال الجميلة والأفكار الجميلة». ويستنتج أنْ بمجرّد عبور عالم الحسيّ ينتقل المرء إلى الجمال المثالي، وهو جمالٌ لا ينفصل عن الخير والحقّ. وهكذا تتلاقى المبادئ الثلاثة التي أسّس عليها جانباً من فلسفته.
أوكل أفلاطون مهمة تعميم هذه المبادئ إلى الفلسفة والديالكتيك اعتباراً لقدرتهما على تجاوز عالم الظواهر والتأمُّل في الجمال المثالي. أما الفنّ، فقال إنه عاجزٌ عن أن يرقى إلى أكثر من نسخة عن جمال الطبيعة، وهو بالتالي كذبةٌ ووهم. واعتبر أفلاطون أنّ الشعراء يشكّلون خطراً على المجتمع لأنّهم يروّجون لجمالٍ زائف يؤذي التربية ويعطّل ترقّي الروح. ولم يسلم من إداناته بين الشعراء غير هوميروس، ربّما لقربه من مفاهيم أفلاطون التربويّة ومبادئه الأخلاقيّة.
إلّا أنّ عصر اليونان هو عصر اليونان. ما قبل المسيحيّة يمكن اعتباره، إيجازاً، عصرُ الذَّكَر. الرمح والعضل والغزو. وهو ما يحبّه نيتشه ويفضّله على عصر الخنثى المسيحي الذي نحبّه نحن، معشر اللاجئين.
تقدّم أرسطو خطوة عندما أضاف إلى منهج أفلاطون أنّ الفنّ ليس مجرد تقليدٍ للطبيعة والظواهر، بل يتوخّى كذلك تحريك المشاعر والاستمتاع.
المسيحيّة أدخلت الرومنسيّة قبل أن تُسمّى رومنسيّة. أوغوسطينوس: «لو سُئلتُ هل الأشياء الجميلة جميلة لأنّها تمنحنا اللذّة، أم إنّها تمنحنا اللذّة لأنّها جميلة لأجبت: تمنحنا اللذّة لأنّها جميلة». وتوما الإكويني: «ليس الشيء جميلاً لأنّنا نحبّه، إنّما نحبّه لأنّه جميل وطيّب».
لكن تعريفاً كهذا لديفيد هيوم: «الجمالُ بحدّ ذاته لا يوجد في القصيدة، إنّما في عاطفةِ القارئ وذائقته»، يبدو لزوم ما لا يلزم. كأن تقول: «لم يوجد جمالُ هذه المرأة في وجهها بحدّ ذاته، بل في إعجاب الرجل بوجهها». أحياناً تتّخذ تطوّرات الموقف من المبادئ والموجودات أوضاعاً لا ضرورة لها، يُفسّرها بطءُ الزمن، مراحل الوعي. يكون كلّ شيء مجمّعاً بوضوح في عبارةٍ واحدة ولا يظهر مرّة واحدة، بل يحتاج الأمر إلى أجيالٍ وعصور حتّى تصطفّ الباء بعد الألف، والتاء بعد الباء...
قليلاً ما يكون هذا البطء شأن الشعراء. الشاعرُ يُلمّ في لحظة ويعبّر في لحظة. العقل العلمي ممحّص، تدريجي، تحليلي. العقل الفلسفيّ تسلسلي، تقليدي، وفاشل في نقل عدوى الشعور.

■ ■ ■

جرّد الألمان، بعد اليونان، الجمال حتّى بَخَّروه. يقول لايبنيتز في «المقالة الميتافيزيكيّة» إنّ المتعة الجماليّة هي نتيجة التأمّل في ما هو منتظم ومتناغم ضمن التنوّع. ويقول كانط إنّ «الممتع يعني لكلّ واحدٍ ما يلذّه، والجمالُ ما يعجبه، والخير ما يقدّره ويؤيّده، أي ما يرى فيه قيمة موضوعيّة». ويقول هيغل: «الجميل هو التَمَظْهُر المحسوس للفكرة... إذاً، عندما نقول إنّ الجمال فكرة، نقصد أنّ الجمال والحقّ هما واحد». ويقول نيتشه: «الجميل في ذاته ما هو إلّا كلمة. ليس حتّى فكرة».
لا وجود للجمال إذاً، بل وَهْم، نَسْجُ أمانٍ، خداعُ بَصَر.
الفلسفة تصرّ على الهتك تحت مُسمّى البحث عن الحقيقة.
الشعرُ مُصرٌّ على التكوين بفعل سذاجة الحبّ.

■ ■ ■

خَلْق العالم سبقه هدم عالم.
لو قرأ أدونيس هذه الجملة لسألني مداعباً: «منين عرفت؟»، ولأجبته، كما سألني وأجبته في احتفالٍ تَذَكُّر مجلة «شعر» قبل حين: «عرِفت».
لا يُبنى بلا تعزيل. والبناءُ بديل، الخَلْق أمرٌ بإيجاد ما يعجب الخالق ممّا لم يكن موجوداً، أو ممّا كان موجوداً بنقصان.
ينشئُ الخلّاقُ ما يزيح من وجهه كابوساً أو عقبة.
ما نعتبره جميلاً هو ما لا نملكه ونشتهيه لنا أو فينا. وهو أيضاً ما نراه من خلال الأبد. سواءٌ كان الجميل لوحةَ الجوكوندا أو ذراعاً بيضاء تلوّح من شرفة. البعيد، البعيد المبتعد خصوصاً، مزيَّن بالأبد. لذلك نحبّ البعيد، نحنّ إليه، نرتاح إليه. المسافةُ تُنقذ من الاختناق، من التلاصق، من استحقاق المجاسدة.
المسافةُ بُعْدٌ جماليّ بذاتها. عكسها مغامرةٌ غير مأمونة.

■ ■ ■

إذا كان من رفيق للفلسفة فهو التأمُّل، لا العلم ولا الأدب. الفلسفة العليا لا تَكتب بل تغرق في التفكير. يوم تكتب الفلسفةُ نفسها سنرى أنّها مختلفة جذريّاً عن الفلسفة التي يكتبها الفيلسوف. يظنّ جيل دولوز أنّ الفلسفة «مبدعة وثوريّة بطبيعتها لأنّها لا تكفّ عن خَلْق مفاهيم جديدة». ما من تعريفٍ أدقّ للحلقة المفرغة. دوّامةُ الرغوة المنتجة للرغوة. الشعرُ مغرور، لكنّ الفلسفة وقحة، تارةً تدّعي شرح ما لا حاجة لشرحه، وطوراً تسأم الشرح وفشلها فيه وتزعم لنفسها مشروع تغيير العالم. لعلّ أجمل ما في الفلسفة هو أنّها، على ما يقول هايدغر، «في جوهرها غير راهنة، يقضي قَدَرُها بأن لا يكون لها الحقّ في التلاقي بترداد صداها الفوري لحظةَ انوجادها».
ساهرة دوماً على سهرها.

■ ■ ■

لا أحد مثل الفلاسفة تَداوَل موضوع الجمال. إنّه أحد أركان الفلسفة. وما من فكرٍ فلسفيّ يوازي سحرَ دقيقةٍ من الموسيقى.

■ ■ ■

لم تعد الأهميّة للجميل ولا للجمال.
لم تكن يوماً هكذا.
الأهميّة هي لمَن يكتشف الجمال والجميل ويدلّ عليهما باحتمالاتهما غير المحدودة، كمَن يؤدّي طقوس إيمانه في أرضِ محرابٍ لم يقف عليها أحدٌ من قبل.

■ ■ ■

الجمالُ بَرَكة أو لعنة حَسَب المتلقّي. الجمالُ هو العاقد أملهُ على المسافر وليس العكس.
قاعدةٌ لا تخطئ: يبعث الجمال رعشةً ينصهر فيها ما لا يمكن برهانه وما لا يمكن إنكاره.

■ ■ ■

لا أحد وحيد.
طيفُ جمالٍ مراوغ يروح ويجيء فوق الهاوية.