بعد رحيل الفرنسي روجيه غارودي (13 حزيران/ يونيو الجاري)، خسر العالم أحد الفلاسفة الغربيين الأكثر إثارة للجدل. لم تأتِ شهرة غارودي من نفيه المحرقة اليهودية (أطروحته الشهيرة «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية») فحسب، بل أيضاً حين أعلن إسلامه على نحو غير مفاجئ في عام 1982. وفي مقابل التعتيم الإعلامي الغربي، وخصوصاً الفرنسي الذي رافق رحيله، أعلن «معهد الدراسات والفكر الإسلامي» الإيراني إحياء ذكرى المفكّر الراحل بعد غد الاثنين بمشاركة منظمات إسلامية أخرى. في عام 1998، حكمت محكمة فرنسية عليه بتهمة معاداة السامية بسبب كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، حيث قارع غارودي الخرافات التي قام عليها الكيان الصهيوني، أي تلك الخرافة اللاهوتية الممثلة في الوعد الإلهي لليهود في أرض الميعاد. لكن ما أثار النقمة عليه، هو تشكيكه في المحرقة اليهودية. هكذا، حوكم بالسجن مع وقف التنفيذ.

ينظر غارودي إلى ثالث الديانات التوحيدية بعين أخرى، تنزع عنه مقولات الجبرية والعنف ونبذ الآخر. الإسلام بالنسبة إليه استجابة توحيدية تبحث عن السلام والانفتاح على الثقافات والديانات الأخرى. كان حلمه على شاكلة المتصوفين المسلمين: البحث عن أضواء التوحيد بعقل المساءلة والقلق والتجلّي. يقول: «أشد ما يحملني على الفخر هو تمسّكي بالحلم الذي راودني في سن العشرين، أعني وحدة الأديان الثلاثة: المسيحية واليهودية والإسلام». لم ينفصل غارودي عن منابع الثقافة الغربية، ولا شك في أنّه نتاج لها. وحين اختار المجال النبوي، كخيار عقائدي/ ديني، سعى إلى عقلنة الإسلام، فنادى بـ«تاريخية القرآن»، و«تاريخية الأحكام الشرعية»، إذ رأى أنّ النص القرآني مفتوح على التأويل ويحمل هوية قارئه في الزمان والمكان، ما يعني أنه مفتوح على القراءات الجديدة. كذلك وجّه نقداً للأصوليين الإسلاميين، وإلى كافة الأصوليات الأخرى. وقد تميّز بكثافة الإنتاج بعد إسلامه، فوضع عدداً من المؤلفات وصلت إلى 40 كتاباً. حظيت أفكاره المناهضة للصهيونية بتقدير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان معمر القذافي قد منحه «جائزة القذافي لحقوق الإنسان»، ونال أيضاً «جائزة الملك فيصل العالمية» عام 1985 عن خدمة الإسلام، والدكتوراه الفخرية من جامعة «قونيا» في تركيا (1995).
لا يمكن وصف هذا الانتقال بالقطيعة النهائية مع جذوره المسيحية ومكتسباته المعرفية الغربية؛ فالحاج الفيلسوف تحدث في سيرته Mon tour du siècle en solitaire (1999) عن مراجعات ذاتية مستمرة نقلته من البروتستانتية إلى نقد الستالينية من دون أن يلغي ذلك التزامه قيم العدالة الاجتماعية التي اكتسبها خلال تجربته مع الحزب الشيوعي، فوجد الإسلام ينسجم مع ذلك ويطبّقه، وظلّ على عدائه للإمبريالية والرأسمالية، ووضع كتابين: الأول «الولايات المتحدة طليعة الانحطاط» (1997)، والثاني «الإرهاب الغربي» (2004).
وفي ما يتعدى أفكاره في نقد الماركسية، آمن صاحب «الإسلام في الغرب» بشمولية الإسلام قائلاً: «أظهر الإسلام شمولية كبرى في استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة، فقد كان أكثر الأديان شمولية في استقباله الناس الذين يؤمنون بالتوحيد، وكان في قبوله لأتباع هذه الديانات في داره منفتحاً على ثقافاتهم وحضاراتهم. والمثير للدهشة أنه في إطار توجهات الإسلام، استطاع العرب آنذاك ليس فقط إعطاء إمكانية تعايش نماذج لهذه الحضارات، بل أيضاً إعطاء زخم قوي للإيمان الجديد: الإسلام». وفي كتابه «وعود الإسلام»، حاول غارودي البحث عن مجال توحيدي يتخطى الانقسامات وصراع المذاهب على الإسلام. إذاً، علامتان طبعتا حياة الفيلسوف الفرنسي الهائم في رواق المعرفة: الخطأ الذي كلّفه غالياً في التشكيك بالمحرقة اليهودية، ودخوله الى الإسلام، مفكراً وموحداً. لكنّ غارودي لم يُرضِ الغرب، ولا الأصوليين الإسلاميين، ولا المفكرين العرب الذين انتقدوا أطروحاته، وتحديداً خلاصاته حول الإسلام. لقد عاصر الفيلسوف الفرنسي أهم التحولات التاريخية الكبرى التي انعكست على هويته المركبة، وأفضت إلى تكريسه مفكراً إشكالياً في ظل عالم معقد، تتداخل فيه الهويات، ويكثر فيه المتحولون العابرون من دين إلى آخر.