القاهرة | في الخطاب الذي ألقاه في «ميدان التحرير» قبل أيام، اعتذر الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي لمن لم يذكرهم في خطابه الأول عبر الشاشة الرسمية، وفي مقدمة هؤلاء «أهل الفن». بدا الاعتذار مرضياً أو مطمئناً لو لم يتذرّع الرئيس بأنّ «الشيطان أنساه ذكرهم». فتلك اللغة الدينية ذاتها تخيف الفنانين أكثر من مجرد إغفالهم في الخطاب. الساعات الفاصلة بين الخطابين شهدت احتجاج العديد ممن أغفلهم الخطاب الأول الذي شهد توجيه التحية إلى المحافظات واحدة واحدة وصولاً إلى الفئات المهنية من الشرطة إلى سائقي الـ«توك توك». كان بيان «جبهة الإبداع المصري» أوّل من «عاتب» الرئيس الجديد، مذكّراً إياه بأنّ «رعاية حرية الفكر والإبداع والتفكير والبحث العلمي ليست مطلباً فئوياً». ورغم أنّه «لا جدال في أولوية رغيف الخبز بالنسبة إلى الشعب المصري»، أكدّ البيان أنّه «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بالفكر والتعليم والبحث العلمي والإبداع الذي يسمو من روحه».


توالت الاحتجاجات التي سرعان ما أطفأها اعتذار الرئيس في «التحرير». لكنّ النقاش استمر، أجّجته تصريحات نقيب الممثلين أشرف عبد الغفور الذي قال لجريدة «التحرير» إنّ «بناء مؤسسات الدولة أهم حالياً من الفن». الواقع أنّه لا يمكن قراءة تصريحات عبد الغفور من دون النظر إلى خلفيته باعتباره فناناً «ملتزماً»، إلا أنّ كلمة «الالتزام» هنا لم تعد تحمل الدلالات الثورية القديمة، بل تعني «الالتزام بقيم المجتمع». نقيب الممثلين الذي اعتزل التمثيل منذ سنوات قبل أن يعود في أدوار دينية ثم «اجتماعية»، أثار ضجة قبل أشهر حين كان ينوي لقاء مرشد الإخوان المسلمين بناءً على اتصال من الأخير، كي يناقشا «صورة الفن المثالي التي نريدها لنهضة الفن والارتقاء بذوق المجتمع». غير أنّه تراجع عن اللقاء بعد اعتراض الوسط الفني. وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أنّ نقابة الموسيقيين يرأسها فنان «ملتزم» آخر هو إيمان البحر درويش. صعود الإسلاميين لا يقتصر إذن على البرلمان الذي كان قد أعدّ ــ قبل حلّه ــ مشاريع قوانين لمنع المواد «الإباحية» على الشاشات
والإنترنت.
الصدام قادم إذن بغض النظر عن اعتذارات الرئيس وتحياته أو «هوية» نقباء الفنانين. فالصدام الحقيقي سيقوم على الفرز المؤكد والمؤلم بين أهل الفن أنفسهم الذين دعم بعضهم الإسلامي المعتدل عبد المنعم أبو الفتوح، وهم الآن جميعاً يجدون أنفسهم بعضهم في مواجهة بعض أولاً. إنّه نقاش وربما صراع على ماهية «حرية الفن». يمكن لمس التوجس في كلمات السينمائي محمد دياب الذي كَتبَ على صفحته على فايسبوك «التصنيف العمري (للرقابة) هو أحد الحلول التي تطبّقها الدول الغربية. أما الرقابة بشكلها الحالي، فيجب أن يكون هناك حوار مجتمعي بشأنها». لكنّه وضع يده على النقطة الأهم بقوله «تصنيف الفنانين إلى فن نظيف وفن غير نظيف مرفوض ومهين. الوصف نسبي ومطاط ويختلف من إنسان إلى آخر».
«الفن النظيف» أو «السينما النظيفة»، ذلك المصطلح الذي راج في المشهد السينمائي المصري بدءاً من منتصف التسعينيات، كاد أن يطويه النسيان مع أفول نجم صنّاعه من «كوميديانات» تلك الحقبة، إلى أن عاد إلى الصعود مع الإسلام السياسي بعد الثورة. ومرة أخرى، يستحضر المجتمع الجدل حول معنى «النظافة» الفنية، إذ تبدو مشكلة الفن لدى قطاع كبير من الجمهور ــ وبالطبع لدى قوى الأغلبية الإسلامية ــ في مساحة ما يظهر من أجساد الفنانات، أو عدد القبلات المسموح بها. أما التلفزيون الرسمي، فقد سارع من تلقاء نفسه إلى حذف «ما يخدش حياء العائلة» قبل سنوات طويلة. اليوم يُراد أن تتحول صراعات الفنانين مع الرقابة إلى قوانين صارمة لا تترك مجالاً للشد والجذب. وباختصار، يراد أن تجري «مأسسة» الأخلاق وضبطها بالتشريع. والواقع أنّ الفن المصري مثله مثل الحريات «المدنية»، نشأ في ظل دولة غير ديمقراطية، ملكية كانت أو عسكرية. وأدّت تلك الدولة دوماً دور الحكم بين الفن من جهة، وبين التيار المحافظ من جهة أخرى، تميل إلى هذا حيناً وتنحني لذاك أحياناً. لم يكن غريباً إذن أن تبلغ «الحرية» الفنية ذورتها في الأربعينيات الكوزموبوليتانية والستينيات شبه العلمانية. والحرية المقصودة هنا هي الشخصية تحديداً، كالمظهر والملبس والمشرب والحبّ. أما الحرية السياسية فكانت منقوصة على الدوام، وليس غريباً أنّ الوضع كان هو ذاته حتى خارج السينما. الشارع الذي أخذ يتجه نحو اليمين هو الذي أنتج في النهاية الفن «النظيف».
معركة الفن إذن هي معركة الشارع نفسها ومعركة حرياته المدنية... هي وإن تأخرت، فقد آن لها أن تخاض.




العبرة في التطبيق

بعد خطاب محمد مرسي الثاني في «ميدان التحرير» يوم الجمعة، قال خالد صالح إنّ كلمته كانت شاملة، جمعت حرية الفكر والفن والإبداع، ورأى أنّها كانت بمثابة طمأنة لكل الفنانين. من جانبه، وصف الكاتب والسيناريست يسري الجندي الخطاب بالمطمئن الذي «يُعدّ في مجمله وسطياً ومعتدلاً». مع ذلك، أشار الموسيقي حلمي بكر إلى أنّه رغم كلمة مرسي المطمئنة، ما زال المبدعون المصريون يعانون من مخاوف على حرية الفنّ، وستظل تلك المخاوف مرهونة بما سيجري تطبيقه على أرض الواقع.