في عمله الأخير «خطوة لشخصين» Pas De Deux (أو «ليس لشخصين»)، جعل الألماني ريموند هوغ الجسد يتنقل في سُلّم من الألوان الحركية. قدّم هوغ العمل ضمن فعاليات الدورة الثانية والثلاثين من «مهرجان مونبولييه للرقص» داخل المجمّع الفني الأثري «آغورا». كان على هوغ أن يتفحص لساعتين متواصلتين العلاقة مع الجسد الآخر (الياباني الشاب تاكاشي أوينو) ضمن معطيات، منها ما هو جنساني، وسياسي، ومدني، واجتماعي، ونفعي، لكن من دون أن يرمي جانباً الاختلاف في الخلفية الثقافية والتاريخية بين اليابان وأوروبا. هكذا، بنيت العلاقة بين هوغ (1949) وأونو على الخشبة وفقاً لمعطيات الواقع، لا الفانتازيا، وأثر الفردية في كل جغرافيا على حدة، لا الصوت الجماعي. هذه المعايير كنقطة انطلاق، مهّدت الطريق للكوريغراف المخضرم كيّ يمدد عمله ويقطّع أجزاءه ويتنقل بين مشهدياته المنفصلة من دون أن يفقد شغفه بتحويل الحركة إلى إيماءة، مينيمالية، همس، أو حتى انتقال ساكن في الهواء.





يمارس هوغ السحر في الكوريغرافيا، والعكس. هو ينوّم الحركة، ويدخل الجسد في حوارات غير متوقعة، معتمداً على الصمت أكثر من الصوت، ومانحاً الجسد حقلاً كي يتمدد فيه من دون مبالغة في الانفعال، ومن دون مسرحة للفيزيولوجيا. هوغ يهمس، يتحرك، وتخرج حركاته، ورقصه (إن جاز أن نستعمل مفردة «رقص» من دون الإيحاء بالمفهوم التقليدي للرقص) نيئة ونظيفة، قاسية لكن بصيغة ناعمة. إنه يقص صبر الجمهور بهذا الهدوء الذي يختزن قلقه واحتجاجه، ورغبته في إعلان هذا التناقض الصارخ بين ملامح وجهه، وسيلان جسمه. لا يمكن الانفلات من خصوصية هذا الراقص بجسمه الضئيل، والحدبة الصغيرة على ظهره التي تضيف المرارة إلى «الواقع الكوريغرافي» على المسرح، وتُدْخِلُ كل جمالية مطلقة في تشوُّشٍ، وتكسِرُ الابتسامات.



غير أن هذا الجسد غير «المثالي» هو شريك دائم لهوغ، عرف كيف يوظفه كمجس للحياة، منذ عمله كدراماتورج للراحلة بينا باوش في الثمانينيات. بهذه الطريقة، يضعه هوغ اليوم مقابل الشاب الياباني أوينو، ليتقاسم معه إمكانات الحركة والمساحات على البلاتوه/ السينوغرافيا الفارغة. الرشاقة مقابل البطء، وشغف جسد بالرقص وتحويل المنصة إلى حياة بديلة مقابل اقتصار جسد آخر على تنفيذ الواجب الاجتماعي والحياتي. وفي خلط كل هذه الأمزجة، لن نخرج إلا ونحن مثقلين بعمل حركي، تراجيدي، مليء بالرموز، والغمز من قناة اللحظة الراهنة ووهنها، وقلة حيلتنا، كأجسادٍ لا تملك شيئاً أمام الموت إلا التحتجاج باللجوء إلى هويتها البيولوجية والعاطفية.



لكن إظهار الملامح اليومية أولاً والسياسية ثانياً، ثم استلال النظم التي تحكمها للاحتجاج عليها، لا يتم خارج حدود علاقة الفرد بأشيائه الخاصة. كي يحتج هوغ على سلسلة أحداث نووية من ناكازاكي إلى فوكوشيما مروراً بتشيرنوبيل، عليه أن يوظف الجسم، ومن خلاله الحركة، في إطار اجتماعي، ثم فني. الاقتضاب في الحركة، أو تقليصها إلى الصفر، يُعجِزُ أحياناً جمهورَ الصالة عن امتصاصها، فيخفق في تجنب قوتها وحقلها المستفز. ريموند هوغ، يكتّل الصمت، يكدِّسه مؤطِّراً إياه بين أشياء خاصة بالجسم، باليد تحديداً (قماش من الكيمونو، مظلة ورقية، حقيبة..). عندما يسكن هوغ بين هذه الأشياء، في أحد جوانب المسرح، صامتاً تماماً، فيما الراقص الآخر يتحرك خارج هذا الإطار «الضيق»، مستحوذاً على غالبية المساحة الجغرافية، فإن العالم يتشظى إلى قسمين، متنافرين في لحظة واحدة. القسوة لا تعود محددة بما هو هامد (هوغ)، بل بنقيضه، المتنقل، الباحث والمتباهي. هو أيضاً توزيع للفردية في بعدين مختلفين، يشيان بالتالي بظرفين مختلفين، وطبيعتين لا تتشابهان إلا لماماً. إنها معادلة، سيبثّها هوغ في نسخ عدة، ليجعلها الناطق باسم السلطة، وإحكام سيطرة جسم على الآخر، وأحياناً التوافق، سواء سياسياً أو عاطفياً. لهذا، فإن هذه الحركة التي تحتاج وسيطاً جغرافياً، تُسحَبُ إلى الداخل كَنَفَس، لتصبَّ في حقل سيكولوجي، لا يمكن التعاطي معه كناتجٍ من دون استدعاء عوامل تكوينه. إنّها ليست حركة بمقياسها الفيزيائي. عدا الشرط النفسي، تشتمل على شرط آخر، مُستدعى، هو المسافة المتحركة بين الراقصين.
وفي مقابل تمسك هوغ بالأشياء، والأدوات في علاقة عضوية معها، يخرج الراقص الآخر عن سلطة هذه الأشياء، بتنقله ضمن مساحة السينوغرافيا المفتوحة والفارغة إلا من الضوء والموسيقى. يأخذ اختبار الفرد لمحيطه مستويين. في نظام حركي بطيء، سيقوم الراقص الياباني بتحسس مستويات الفضاء، وتحديداً المنخفضة، مبقياً على الجسد في حال طوفان فوق الأرض. وفي اختبار الثنائية، يتسع مشروع الكريغراف الألماني في أوجه عدة. فإذا كان العرض مؤلَفاً وفقاً لمعطيات الواقع، فإن هذا الواقع/ موثّقاً بالصوت (مرويات عن هيروشيما/ صوت القنبلة في نهاية العرض)، يُستقدم على حين غرة، معترِضاً الموسيقى، ليصبح الكادر الذي يجذب نحوه السياق الحركي من المنصة. هذا ما يجعل عمل هوغ، متوتراً على أكثر من صعيد. على المستوى الفني والمجازي، هناك علاقة محكومة بالجذب والرفض والتماهي والخنوع بين الراقصين على المسرح. وعلى المستوى الاجتماعي، هناك تنافر في علاقة كل فرد على حدة بـ «العالم الخارجي». على مستوى الهوية والدلالة والمكان، هناك أيضاً تنافرٌ بين المسرح بحد ذاته والكوريغرافيا كاستعارة فنية، من جهة، والواقع الدبق، كما هو، والثقيل والنيّء من جهة أخرى. ذلك هو الثالوث الذي يدل فيه هوغ بيولوجياً ونفسياً على طبيعة بشرية شغوفة بالتدمير، تنزع نحو مساحات فردية، يغسل فيها كل منّا أناه بماء القوة.



قسّم هوغ العمل إلى مشهديات متتالية، ومترابطة، لكل منها نهايته الصغيرة. واستغلّ الكوريغراف المساحات على البلاتو. السينوغرافيا الخاوية والبيضاء، تسمح له بتشكيل سينوغرافات هندسية ثانوية/ شخصية، أو أمكنة طارئة. يصبح لكل راقص مجاله الذي سيأخذ في التقلص مع الوقت، حتى يتداخل مع مجال الراقص الآخر، ليشكل الحدث الكوريغرافي، الأزمة، أو الاحتكاك بين هوغ وأوينو. غير أنّ هذا الاحتكاك ينتج تقديرياً، واقعاً آخر (إدخال هوغ صوت تصفيق جمهور، يليه دخول شخص ثالث ليقدِّم باقة ورد إلى الكوريغراف أو إخراج هوغ شاشة «آيباد» فيها فيديو لراقصٍ ما وعرضها للجمهور). إنّه الواقع المستقبلي الذي سيحدث لاحقاً مثلاً، وما سيُخزّن في الذاكرة ويؤرشف ويعرض. هذا هو أول استلام للزمن في العرض، وأول إشارة على تطرق هوغ بشكل صريح لمفهومه. الزمن عبوة التاريخ. إنها مجموعة من تفاصيل دقيقة تشكل أنبوب المصل بين كل مشهد وآخر. التطرق للزمن، مثلاً، سيفتح باب الاحتجاج السياسي على مصراعيه، لتتحول إشكاليات العلاقة بين الكائن والآخر، إلى أمر مؤجل، يمكن استدعاؤه لاحقاً. أمام الحدث، الموت تحديداً، الموت الجماعي والخراب، ينضوي الكائنان/ الراقصان تحت غطاء ما أضحى طارئاً. لا تعود الفردية والصراع على الأنا، الغاية، بل الاحتجاج على تغييب الأنا الجماعية، أنا الآخر، غير المعلوم، وغير المتواجد في بيئة هوغ والراقص الآخر (من باب فرديتهما فقط، بحيث أن حدث هيروشيما وعلاقة أوروبا وأميركا به، يتواجد من خلال التشديد على الاختلاف بين اليابان وتلك الدول، وتبيان خصوصية اليابان الثقافية منذ بداية العرض). يتخذ القسم الأخير شكل نهايات متلاحقة، مستقلة عن بعضها، غير أنها متلازمة، بحيث تشبه موتاً متكرراً أو ولادات تحت بروجيكتور يتنقل بينها. التوتر الذي كان موزعاً، يتجمّع في مناخ تراجيدي موحّد، وتزداد قوته، وأثره على المشاهد، بعد أن يرفع هوغ من رمزية اللون الاسود (قميصا هوغ وأوينو أسودان خلال العرض)، ليصبح طبقة مشتقة من الجسم. إنه عالم لا يتسع لقوّتين متنافستين. ولا يكون هناك مهرب من العبث في نهاية المطاف، وهو العبث الذي يسقط في المشهد الأخير الذي يختتم العرض، بحيث يجلس هوغ وأوينو متقابلين، يرمي كل منهما للآخر، قطعة قماش مطوية، لتخفت أضواء الصالة وتطفأ وهما ما زالا يكرران هذه الحركة ويعيدانها.




«مهرجان مونبولييه للرقص»، (جنوب شرق فرنسا): حتى 7 تموز (يوليو) ـــ www.montpellierdanse.com