باريس | «ملف خاص عن الجزائر في 16 صفحة». الذين قرأوا هذا التنويه على الصفحة الأولى من صحيفة «لو موند» الفرنسية في عددها الصادر أول من أمس، لم يُفاجأوا بهذه الحفاوة ببلد المليون شهيد، خصوصاً أنّ الملحق نُشر عشية الذكرى الخمسين لاستقلال الجزائر، وهو حدث بارز يحظى باهتمام إعلامي كبير في فرنسا كما في الجزائر. لكن سرعان ما تبين أنّ الملف الذي تضمن مقابلات مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وسبعة من وزرائه، ليس سوى ملحق إعلانيّ مدفوع الثمن، أنجزته مصالح الرئاسة الجزائرية بالتعاون مع وكالة الإعلانات الباريسية MediA›ction International ... ما أثار جدلاً كبيراً على ضفتي المتوسط. في الجزائر، شجب نشطاء المعارضة والحراك الاجتماعي «إهدار بوتفليقة المال العام من أجل شراء فضاء إعلاني في جريدة بارزة مثل «لو موند» لتلميع صورته وإعطاء صبغة وردية تتنافى مع الواقع، لفترة حكمه وأدائه السياسي منذ عام 1999...». أما في باريس، فقد أصدرت «جمعية محرِّري لو موند» بياناً استهجنت ما اتسمت به طريقة نشر الملحق من «خلط غير مقبول بين العمل التحريري الذي يجب أن يتوخى الموضوعية والاستقلالية، والإعلان المدفوع الثمن».

وكان لافتاً أن الملف الذي نُشر بعنوان «استراتيجيات دولية ـ خاص بالجزائر»، لم يتطرق إلى منجزات نصف قرن من الاستقلال في الجزائر، كما يوحي به عنوانه الرئيسي، بل انصبّ في تلميع حصيلة 13 سنة من الحكم البوتفليقي. في المقابلة التي أجريت مع بوتفليقة وشكّلت المادة الرئيسية لهذا الملحق، لم يتطرق الرئيس الجزائري إلى الذكرى الخمسين للاستقلال، بل تجاهل تماماً العقود السابقة لتوليه السلطة، وركز فقط على ما تحقق في ظل حكمه من «مكاسب يجدر بالجزائريين جميعاً أن يفاخروا بها». وضرب أمثلة على ذلك بـ«استعادة السلم الأهلي، وتحقيق نسبة نمو اقتصادي تتجاوز 5 في المئة، وخفض البطالة إلى أقل من 10 في المئة».
تضمن الملف أيضاً حوارات مع سبعة وزراء في حكومة أحمد أويحيى الحالية، إضافة إلى عشرين مقالة انشغلت في تلميع صورة الحكم البوتفليقي في مختلف المجالات، من الاقتصاد والمالية إلى الثقافة والسياحة، مروراً بالمبادلات الفرنسية ـ الجزائرية التي وعد بوتفليقة بأن «الجزائر وفرنسا ستجدان الوسائل الكفيلة بالرقي بها إلى المستويات التي يأملها الشعبان الجزائري والفرنسي». واللافت أنّ كل المقابلات التي تضمنها الملحق، حملت توقيع ماري أورتول، وهي ليست صحافية في «لو موند»، بل تشغل منصب رئيسة تحرير في وكالة MediA›ction International التي أشرفت على إعداد الملحق. وهذا ما أثار حفيظة «جمعية محرّري لو موند» التي ندّدت في بيانها بـ«تعمد هذا الملحق الإعلاني الغموض لإعطاء الانطباع بأنه عمل تحريري سواء على صعيد الشكل أو المضمون». وشجب البيان التنويه الذي أُدرج على الصفحة الأولى، كونه «لم يتضمن أي إشارة بأن الأمر يتعلق بمادة إعلانية مدفوعة الثمن». وخلص محرّرو «لو موند» إلى أنّ «هذا الملحق يشكّل مساساً خطيراً بصدقية الجريدة، ويسيء إلى عمل صحافيي «لو موند» من خلال السماح لبيان ذي طابع إعلاني أعدته وكالة خارجية، باستعمال لوغو الصحيفة بشكل مخالف لقواعد عملنا، ومن دون الإشارة إلى الطابع الدعائي والتجاري لهذا الملحق...».
أما إدارة «لو موند»، فقد ردت على الجدل ببيان توضيحي اعترفت فيه بأنه «أُنجز من قبل وكالة إعلانات خارجية، ولم تشارك أسرة تحرير «لو موند» في إعداده». لكنها لفتت إلى أنّه «أُدرجت على الصفحة الأولى من الملحق إشارة توضِّح بأنه مادة إعلانية، لتمييزه عن بقية ملاحق «لو موند» التحريرية». واستهجنت إدارة الصحيفة في بيانها «الاستغلال المغرض» لهذا الملحق من بعض وسائل الإعلام المقربة من النظام الجزائري، مؤكدة أن «لو موند تحتفظ لنفسها بحق القيام بإجراءات قضائية في حال تكرار هذه التصرفات غير اللائقة التي تسيء إلى نزاهة واستقلالية تحريرها». وجاء هذا التهديد القضائي إثر قيام «وكالة الأنباء الجزائرية» الرسمية، وبعض الصحف الموالية للنظام الجزائري، بإعادة نشر مقتطفات من مقابلة بوتفليقة التي تضمنها الملحق الإشهاري، مع الإشارة إلى أنها مقتطفات من حوار أجرته معه صحيفة «لو موند»!
من جهتها، رفضت وكالة MediA›ction International الإدلاء بأي تصريح حول ملابسات إنجاز الملحق وكلفته والجهة التي قامت بتمويله. لكن الملصقات الإعلانية التي تضمنها الملحق تبيِّن أنه مُوِّل من قبل مؤسستين رسميتين جزائريتين، هما شركة النفط «سوناطراك»، وشركة الاتصالات «ألجيري تيليكوم».